الأحد، 29 أبريل 2018

ستّين نومة


ما الذي يجعلك تظن أنَّ هذه تفاحة حمراء؟ ما الذي يمنحك الثقة الكاملة بأنها ليست صفراء أو خضراء؟ كيف تعرف أنها تفاحة أصلاً؟ كيف نشترك أنا وأنت في تعريف هذا الشكل المكوّر؟ ماذا كان المنعطف اللغويّ الأولّ، الذي نمّط نظرتنا للعالم؟ إلى أيِ حدٍّ قاومناه كيلا يتفشّى فينا؟ كيلا يغزوا عقولنا مثل سرطانٍ لعين؟

لماذا تعرقلت عجلة النمو البشري؟ تقول الإحصاءات أنَّ نسبة الإختراعات البشرية قلّت بشكل تكاد تنعدم فيه مقارنةً بباقي العصور، نحنُ ثابتين نسبياً في تطورٍ يعزى لقرنٍ مضى، لماذا؟ التنميط، هذا العدو اللدود المصرّح له من قبل كل أيديولوجية إنسانية منظمة ظهرت قط، وتبّنته الحكومات والشرائع وصار جزءً لا يتجزأ من إنسانيتنا، حتّى أنَّ الحِياد عنه يصنّف كشذوذ مقيت، يُحاربه النظام بأكمله. هذا التنميط الذي يجعلنا نرى شجرةً وينمّط شعورنا وفكرتنا عنها، أصبحنا كالجراد، نفكّر ونشعر ونتشخصن بذات الطرائق. لسنا أفراداً حقاً، نحن حمقى مؤدلجين، مُنوّمين، وفي حالةٍ تستدعي شفقة الفرد من ذاته. هذا التنميط، الذي لا يكتمل إلا في أوكار الجزّارين، لا يتمّ حقاً إلا ببتر كل فردانية فينا، كل خلية وزاوية فكريّة خاصة نسمّيها "أنا"، كل هذا أمام ناظرنا ودون تخدير، جريمة كاملة، فلا مجال لتقصّي الفاعل، فالفاعل نحن، وهم، وهذا النظام الفوضوي المنحرف كلّه. قد لا تملك أدنى فكرةٍ عمّا أقوله الآن، وهذه عاقبةٌ طبيعية لوهمك المتأصل في اعتقادك بفهم نفسك، وثقتك العمياء المفجعة بأنك لم تخسر شيئاً قط، لا جزءً من فردانيتك، ولا أناك المستنجده بك.

تُدهشني قدرة الجهل الذاتي على الإقناع، حين تجهل نفسك، يسهل إقناعك بما لست عليه، كأن يُدرجك النظام تحت صنفٍ ما يعوزه ولا يُمكن أن يتحقق كماله المدنّس إلا به. نحن بارعين، بل وممثلين أوسكاريين، فيما يتعلّق بالشفقةِ على من هم ظاهري الفقر، ممن لا يجدون قوتاً، مأكلاً، ملبساً أو أماناً، هؤلاء المساكين الذين نتباهي بمساعدتهم بشتى أشكال موادّنا، من مالٍ أو دموع، لكننا نفشل في إرداك أنَّ البؤس الحقيقي هو حين تفتقر لنفسك داخلياً، وحِين لا تعود قادراً على استرداد فردانيتك الكامنة في أفكارك الخالصة، لأنَّ أفكارك الأولى هكِّرت وخرّبت منذ خطوتك الأولى كطفلٍ بريء، غير مدركٍ بعد لنوع التنميط الذي سيتعرّض إليه .. نحن الفقراء حقاً. يُؤخذ مِنك، تُعاد صناعتك حسب الطلب، ثمّ تصبح قابلاً للتصدير للإستخدام البشري.

الثلاثاء، 17 أبريل 2018

من ستكون، إن لم تكن قرداً؟

إبّان معضلةٍ إنسانيةٍ سحيقة واجهتها، تفكّرت في كل رابطة بشرية تجمعني بالعالم، محوطة بي بسهام التوقعات والأسوار المجتمعية الزائفة، مصنفةً لي بالـ"المواطنة"، كيفما شاء ذلك واتفق مع قوانين "التوطين" في بلدي، غارسةً فيَّ روح التيه بأعمق مما ظنت قدرةَ أيِّ شيءٍ على غزوِ دواخلي. توصّلت -في الليالي التي شربتُ فيها كمياتٍ قاتلة من الحليب- إلى أنني لم أنصف نفسي قط، وأنني لم أنظر إليها، ولا حتّى بأتفهِ المعاني وأكثرها عفويةً، نظرةً فردية، بل تكللت وجهات نظري عنّي بوجهات الآخرين عمّا يرونه بي، وعن تفسيراتهم لما أمنحه لهم على غير هوادة. لو أنَّ الجميع اختفى لوهلةٍ، لضِعتُ، ولما دللتُ الطريقَ إليَّ، ولاصطبغت تصرفاتي بكل الشخصيات المتناقضة والمؤثرة التي اختبرتها في الآخرين. في وهلةٍ كتلك، سيخبو إحساسي بمعناي، وذاتي، ولُكنت خِلالها كُلَّ شيءٍ، غير ما أنا عليه حقاً. لكُنت الجميع، منهم من نهروني، منهم من ملأني بصخبٍ شعوريّ كنتُ في غِنى عنه، ومنهم من لم يعرفني حقاً، ولم أعرفه، لكنني .. لوهلةِ، أكونُ هؤلاء جميعاً، لأن كل المرايا التي اعتدت رؤية نفسي فيها من خلال تقديرات الآخرين قد تهشّمت، وتهشّم معها حِسّي بنفسي. نحن لا شيء حين نسمحُ للآخرين بتأليفنا دوناً عنّا. أنت لا شيء حِين تختزل علاقتك بالآخرين لأغراضٍ إرشادية، مرورية .. تقودك لنفسك. أعلم، لقد سأمنا جميعاً من هراء المتحدثين بالتنمية البشرية، لم تسقط عيني على أحدهم دون أن أشعر بأنه حشرة، تتحرشج وسط حلقي وتمنعني من التنفس والكلام اِلتياعاً، واِعتباطاً. لكن لغرضٍ وجوديّ بحت، ولكيلا تُصدم بتيهك حين تفقد توجيهات الآخرين نحو نفسك، أخبرك، بينما ترسو وسط بلعومي بقايا حشرةٍ متحشرجة، أن تتأكد مِراراً من مجاديفك. أنت لست من تظن، بناءً على ما يظنون. هل يعجبك فنّك حقاً؟ هل أنت فخورٌ بما تخربشه من رسوماتٍ حسّاسة؟ أم أنَّ هذا رأي الآخرين فيك فحسب، بقيت متعلّقاً به كيلا تُشفق على نفسك، ويستلمك الأسى من حيث لم تحتسب؟ هل فكرت من خوفهم في مواجهتك؟ هل تمعّنت مُطولاً في صديقك حين يمتدح نصّاً لك؟ هل رأيتَ، بأمِّ روحك، رثاءه لكَ، حِين يرى انحسارك في موهبتك، لكن يخبئها بحذرٍ في جيبه؟ أين أنت من حرب المجاملات؟ وما الذي تجنيه أنت، وهم، من تبادل العسلِ الكلاميّ، دون أدنى صدق، لكن بشرف؟ لست مضطراً للنظر للآخرين لتنظر لنفسك، لطالما كُنت موجوداً، قبل أن يكونوا. أنت من أكلت التراب بمفردك من زوايا النافذة، وأنت من قررت خلع نعالك، لتنتشي وحيداً في التراب، بينما يغرس الحصى زواياه الحادة، وتخرم الأشواك باطن قدمك الطريّ، الناعم.

 أنت كُنت أولاً، لا آدم، ولا كُّل الفوضى التي تبعته. من ستكون حقاً، في كوكبٍ آخر، وبين مخلوقات لم ترها قط، وافدةً إليك من عوالم بعيدة؟ أتدرك حقاً، بكامل وعيك، الفرق بين أن تكون "البشريّ أنت"، و "نفسك أنت"؟ ماذا ستكون إن كُنت قرداً يلعق الحشرات من جبين رفيقه القرد، أو طيراً تتقاذفه الريح في جبال التبت؟ ماذا ستكون، إن كُنت ورقةً، صمّاء، في جوفِ أنبوبِ صرفٍ صحيّ؟ من أنت حقًاً، دون أن تكون الإنسان الإجتماعيّ، المُواطن، الأب، الأخ، والصديق؟ إلى ماذا ستقودك غرائزك؟ أو، بصيغةٍ أدقّ، من أين ستنبع غرائزك؟ من سيخلقها، حين تُقرر تكميم اذنك فِراراً من تعريفات الآخرين لك، وهلعاً من سِهامهم المنغرسة بعمق في لاوعيك؟ 

الأحد، 8 أبريل 2018

ما هو "زمانك"؟


 ما هو الزمن المناسب لتعيش فيه؟

لنعترف بذلك، نحن نعيش في زمن أقل إثارة من جميع الأزمان السابقة له. لا توجد قضيّة نتمسّك بها ونسترخص حياتنا دفاعاً عنها، حتّى القول الشائع بأن علينا صنع قضايانا بأنفسنا دون انتظار بزوغها من اللامكان، فارغ تماماً. لو اخترعنا قضيّة لحكَمتِ الجموع علينا بالنفي من دائرتها المؤمّنة بعناية الوعي الجمعيّ المشترك، لصنّفنا كمخبولين لا يفرقون بين الواقع وتبريراته الوهمية. وإن هممنا للمشاركة بقضايا موجودة، كقضية فلسطين أو الإحتباس الحراري أو فضيحة التحالف العربي في اليمن لما أثّرنا فيها بمقدار نملة، ولقدّر لنا أن نعطي كلّ ما نملك دون شرف الإستشهاد بآثارنا التي تجرفها آثار الآخرين وتُمحيها كأنها لم تكن قط، وكأننا لم نصنعها يوماً. وقد نصنّف فوق ذلك بأننا غير مسؤولين لحشرِ أنوفنا فيما لا يخصّ أوطاننا بحقّ، وأن أكثر ما يُمكن أن نجاهد بشأنه هو رفعتنا وتقدمنا كأفراد، بأن نولي جلّ اهتمامنا لحياتنا الفرديّة من عمل ووظائف ومسؤوليات توعوية أساسية يعرفها الجميع لكنهم ينتظرون، لأسباب تأسيسية، تذكيرنا لهم بها. لكن ما مصير العنفوان ذاك؟ ما مصير توقنا الغريب والممرض للمشاركة في شيءٍ أعظم من إنجازاتنا اليومية التافهة؟ أن نكون جزءً من حدثٍ عظيم يهزّ أركان العالم، مهما كانت عواقب الإهتزاز؟ أن نشعر بأن وجودنا هامّ، ولو مِتنا في محارق جماعية تتداخل فيها أجسادنا البالية المنسخلة من جلودها ولحومها، مكوّنة بذلك كتلة لحمٍ واحدة فاخرة. هذه الرغبة الخالصة بالتدمير الذاتيّ البطيء واللذيذ، الذي مع كل خطوة سيُجبرنا على فهم مغزى وجودنا المستفحل في وجوهنا المُغبرة. وكيف لنا، نحن العشرينيين، ألّا نرهب ونحزن لفكرةِ أنَّ هذا النَزَق الشبابيّ وإن كان مخالفاً لجميع أوجه المنطق، سيضمحلّ وتنسكر شوكته في ثلاثينية أعمارنا؟ يُقال بأن حياة الإنسان تبدأ من الثلاثين، لكن من منكم لم يرى ثلاثينيّاً هرِماً؟ بروحه، وبعاداته اليوميّة، ونُعاس عينيه الدائم؟

إذاً، وقد قيل ما قيل، رغم أنَّ وقوفنا على الإطلال وبكائها لن يُفيدنا إلا بقدرِ غرزة في جرحٍ متعفّن، ماذا يُمكن أن يكون "زمانك"؟ ما هي القضايا التي كنت ستهب لها نفسكَ فِداءً، بإندفاعٍ تكسوه نزعةٌ تدميرية شبِقه، دون أدنى ترددٍ وكأنّك تمنحُ يتيماً هديّة ذكرى الميلاد الأولى؟ أم أنّك، كمن يندفع لإطفاء جذوة حياته وحماسه الدنيويّ، ستكتفي ببضع إنجازات يوميّة لا تُرهق بالَ أحد؟  

الخميس، 15 مارس 2018

The Seventh Seal: Review


تراجيديا الموت، وهم الميلاد، الوقت الإضافي الذي يهبك إياه الموت لإتّخاذ قرارتك النهائيّة، ومُحصلّة الكرامة الإنسانية التي نخونها أحياناً عن جهل، هذا بعض مما يعرضه لنا هذا الفيلم.

رغم أنّه أُنتج في 1957، وهو ضمن أعوام المخاض بالنسبة للسينما الفلسفية، إن لم يكن أوّلها، إلا أنّه تفوّق على أقرانه بعرضه أفكاراً لطالما اعترضت تفكير البشر، بخصوص وجودهم المحيّر لشدة فهمه رغم بساطته.

بلوك، فارسُ يودّ لو يعرف الخالق أكثر ليتلائم إيمانه مع نزعة المنطق لديه، يمر بتجارب مريرة لا تكشف له إلا ما يُفاقم جهله سوءاً، رغم منافسته المباشرة مع الموت بواسطة لعبة الشطرنج. تارةً يثق تماماً بقدرته على الإنتصار ضد الموت وتارةً أخرى يُحدّق فيه بتوجّس مستطير، بينما يجلس الموت أمامه ثابتاً دون أدنى تعبير سوى جحظ عينيه - ليس لإخافته، لأن الموت يدرك مُسبقاً أنَّ بلوك يودّ لو يموت سريعاً بين قبضة يديه - بل ليُمارس طبيعته المُريبة فحسب.

تتخلل الفيلم لحظات سعادة وأخرى يسودها الموت، وماذا يُمكن أن يُعطي الحياة حقّها أكثر من الحبّ وطفلٍ جميل؟ هذان هما جوف وميا وابنهما الصغير ميكيل. هذه العائلة تمثيل صريح وذكي لما تعنيه السعادة في حياة بشرٍ بُسطاء، فحين كانوا يرقصون مرحاً في أحد عروضهم، غير مؤثرين البتة في الحضور إلا بما يجعلهم محط سخرية، اقتربت جماعة من المبشرين يجلدون الضعفاء ويصرخون مبتهلين للإله، في جوٍ أثار ذعر الحاضرين اللذين سُرعان ما أسقطهم خوفهم أرضاً خِشيةً من نقمةٍ فجائية، أو من قدرة القسيس على اختيار كلماته بعناية لإرعابهم قدر الإمكان.

ضمن كل هؤلاء، يشهد المتابع تطور شخصية من البداية، جونز، بدءاً بخوفه من تحدثه دون قصد مع جمجمة في الصحراء إلى فقد إيمانه التام بكل ما يُمكن الإيمان بهِ في عالمٍ يظن أنه آلَ للجنون مُعجباً ومتباهياً برجعيّته. لكن حتى جونز، الفارس المغوار الشريف الذي أنقذ لتوّه فتاتاً من الإغتصاب وضمّها لرعايته، لم يسلم من الذعر المتفشّي نتيجة الصراع بين الموت والحياة. يخاف حيناً، وأحياناً أخرى يُدهش سيّده بذكاءه -أو، حين النظر إليه من زاوية مختلفة، استسلامه المُخجل في البحث عن الحقيقة والتفكير خارج المألوف-.

 في النهاية، لم يّعطِ صانع الفيلم أجوبة لعشرات الأسئلة المطروحة في حوارات ورموز الفيلم، بل ألقى قنبلة شكٍّ أخيرة حين أظهر جميع الشخصيات، عدا الأزواج السعداء، مُجبرين على الرقص مع الموت في تعبيرٍ جديد لما يُمكن أن تعنيه السعادة. كانوا يائسين لتوّهم قبل زيارة الموت الأخيرة، وهاهم يرقصون فرحاً حين آمنوا به أخيراً واستظلوا برداءه الأسود. رغم كل الألغاز التي يثيرها الفيلم، يوجد تأكيد وتصديق على حقيقة واحدة يُمكن أن يتفق البشر بشأنها، وهو أنَّ الفرح وحده، متمثلاً في عائلة جوف، يُمكنه أن يتصدّى الموت. رغم ذلك، التأكيد على حقيقةٍ كهذه ضروريّ للإستمرار في عرض المتضادات في الفيلم، منذ بدايته وحتى نهايته، لخلق شعورٍ يتغيّر بثبات نحو التفاؤل تارةً والسأم تارة أخرى، مثلما رقص الأموات في ظلّ الموت بينما اتجهت العائلة السعيدة نحو صباحٍ مُلهم. إدراك هذه الضرورة مهمّ، لكيلا نصل لخاتمةٍ مُضللة وهي أن الفرح وحده يمنحنا وقتاً إضافياً في الحياة. فكل شيء يسير نحو نهايةٍ حتميّة، ونحن لا نملك سوى التلاعب بلعبة الشطرنج مع الموت وتأجيل خطوتنا التالية المتحققة لا مَحالة، مثلما أجّلها بلوك وتجرّعته في خضم كنيسةٍ مشيّدة بالحجر والجصّ لمنع الفناء.

 قد يبدو الفيلم تافهاً ومحظ هراء لمن لم يُدهش من قبل بالخط الفاصل بين الحياة والموت، وبين العدم والوجود، فكيف يُمكننا أن نفسّر الهوّة بينهما؟ في الحقيقة، لا يُمكننا ذلك، كل إجابة تقود لسؤال آخر أكثر إلحاحاً، وهذا بالضبط ما نجحت عبقرية إنغمار برغمان في تحقيقه. 

الأربعاء، 14 مارس 2018

مِيلاد محمود درويش وآينشتاين، وفاة ستيفن هوكينغ: انحلالُ مُدرَك.

ماذا يعني أن يموت فرد ما؟ ولماذا يجب علينا التأثر بوفاتِ فردٍ مُعيّن رغم أن مشاهدتنا لصورِ القتل الجماعيّ، مثل الهولوكوست ومذبحة الأمريكان الأصليين -أجل، أمريكان، لأن كريستوفر كولومبوس محظ جاهل لعين ومُضلّل- لن تدفعنا لأخذ نفسٍ عميق وتأمل أثر فقدان أحدهم، بل في الحقيقة، لن تؤثر فينا إطلاقاً، بل ستُغضبنا، إن كنّا بشراً حقيقيين، أو تقربنا أكثر من فهم الطبيعة البشرية إن كنّا محظ عُقلاء متفلسفين وباردين لم يعد الفقدان يؤثر فيهم إلا بقدر ما يلهمهم أفكاراً مُحرجة عن أصلنا ككائنات متوحّشة تختار أحياناً نِسيان تحضّرها غير المُتأصل كما ينبغي في أحماضها النووية.

كُلما مات فردٌ مؤثر في حياتي، ولو عن بُعد، لا أتأثر حقاً بِوفاته إلا بقدر ما تجعلني مُدركة، ببالغ التأثّر العاطفي المُوجع، بما سيكون عليه بعد انحلاله الماديّ. ماذا سيكون؟ كيف يُعقل ألا يُوجد الأشخاص فجأه؟ وكيف بإمكاننا مواساة أنفسنا في وجودنا، حين نُدرك أننا عالقين ومحصورين في المادة التي اختفت للتوّ من أمامنا، وغدت شيئاً لا يُذكر؟ نحن لا نفكر في غيرنا إلا لفهم أنفسنا، ولندرك قبل فوات الأوان ما سنكون، أو ما يُمكن أن نكون، أو ما يُمكن أن ندرسه ونخوض في غماره لنُدرك ما يُمكن أن نكون، قبل أن يسوقنا الوهم نحو خواتِم مُحددة مًسبقاً لتعاظم من فرصة هدر كرامتنا الإنسانية والعقلانية التي لطالما صارعنا أنفسنا للحفاظ عليها حتّى النفس الأخير.

الميلاد: وُلِد أحدهم، أصبح شيئاً، ثُم أصبح شيئاً يُمكنك التعلق به وإيهام نفسك بأن وجودك قائمٌ على وجوده فحسب. سيسيّرك هذا الشيء، قد يحيلك سراباً أو يؤكّد على حقيقتك، لكن الحقيقة الأولى غير القابلة للنقض، هي أنّك موجود، بوجود المواليد الجدد أو بعدمهم، وبوجود من وُجِدَ قبلك أو بعدمهم، أنت هُنا الآن، تتنفس، تُفكّر، ترقص وتتمنى ثم تموت. لا يعتمد وجودك على شيءٍ حقّاً. أنت المادة، والمادة وحدها تحفظ الوجود. وبقدر ما يبدو التفكير في انحلالك الماديّ المحتوم مُزرياً ومُحطماً لنُبل العَيشِ فيك، لكنه حقيقةٌ أخرى لن تٌغادرك وإن غادرتها برصفِ الأوهامِ وضمّها بعنايةِ نحو صدركَ الذي يخبو ببطئ.

تخيّل معي الآن أنك تعمل في مشرحة. كل صباح، تُساق إليك الجثث مُغطّاة بالأبيض لتجميل، أو مُفاقمة، حدّة الشعور بالموت والفناء. تُزيل الغطاء من رأس الجثّة، تتأمّله، الآن ينبغي عليك بَقرهُ من منتصفه لتصل حواف السكين لأعلى الأذنين تماماً، بكل احترافية ودون أدنى رَجفة. الآن، ستضع السكين جانباً لتستعين بكفّيك القويين لتوسعة الشرخ النصفيّ، سيتطلب منك ذلك قوّةً جسديّةً فحسب، ولن تشعر بالشفقةِ على نفسك لأنك فشلت في الإشفاق على الإنسان الحقيقيّ تحت رحمةِ يديك. لن يُمكنك إنكار أنك لم تعد قادراً على التواصل معه بإنسانية، أيّاً كان ما يحمله هذه المصطلح من مقاصد عاطفية وأخرى إدراكيّة لما يُمكن أن تكون حين تؤول مكانه. 

الخميس، 1 مارس 2018

لا يُغادِرُ .. مُطلقاً.


لا يُغادِرُ مطلقاً.
موجودٌ كعلقةٍ في أخمض الشريان الوريديّ، متشبّث بكل خليةٍ سابحة. لا يُغادِرُ مطلقاً.
يرنو .. يئنُّ .. يأبى الخضوع لرغبتي الخالصة في الحياة .. ثم ينأى عميقاً، أبعد عنّي وأقربَ إليّ. لا يُغادِرُ مُطلقاً.
أستعيدُ رزانتي، أقيم صلواتي الخاصّة عليّ، مِنّي .. وإليّ. لا يُغادِرُ مُطلقاً.
أعلو .. أنتفضُ وأُغنّي .. أُراقص أصابعي على سيمفونية بيتهوفن التاسعة. لا يُغادِرُ مُطلقاً.
بموجةً لا يُخطأها الترددُ، أستمع إليّ، كل مرة كالمرة الأولى، أُريح كفّي على عتبةِ دواخلي: أنا لي .. أنا لي.
لا يُغادِرُ .. مُطلقاً.
أسير في سراطٍ شخصنتهُ حديثاً. أضرب الأرض بقدمي: هذه خريطتي .. خُطاي .. وخطيئتي.
لا يُغادِر .. لَم يُغادِر.
أثق كفاية لكيلا أبحث عنّي، أعرفني. حقّقتني. خلقتُ خنصري وربضتني مرّتين لأرسخ.
يرنو .. يُبددني رويداً .. يُخرج سبابته ليرسم قرنينِ متعاكسين على شفتي. شعّثني .. بلّدني .. وبدّدني.
لا يُغادِرُ .. مُطلقاً.


الأحد، 25 فبراير 2018

الفِطرة الأولى - الجزء الأول



الفِطرة الأولى
(1)

بقلوب مُترعةٍ بقلقٍ غريب باعث للإطمئنان، جلست إحداهما بجانب الأخرى دون الإلتفات إليها.

بينما كانت تتحرك يمنة ويسرة بحثاً عن بقعة مريحة في الكرسي الصغير المكسور، فكرت أن قلقها ناتج عن حدسٍ سليم بأن الأيام المصيرية القادمة ستحدد العشرين عاماً القادمة في حياتها. لم تكف عن نقر الطاولة بأصابعها ذات الأظافر القصيرة والدموية من فرط قضمها.

حتى هذه اللحظة، لم تفكر بالإلتفات ليسارها لرؤية الكائنة الغامضة بجانبها. كانت جالسة دونما حراك، واضعة كفها على خدها الأيمن ومتسمّرة تتأمل السبورة البيضاء أمامها. لم يبد أنها تكترث لشيء، ولا حتى لحجابها الذي يكاد يسقط. لم تكترث لشيء سوى النظر للفراغ في مشهد أثار ريبة الفتاة بجانبها، والتي التفتت أخيراً ليتعاظم قلقها: لمَ ليست قلقة مثلي؟ هل أنا بهذا الغباء؟ كيف لهذه الحمقاء أن تكون واثقة لهذا الحد؟

في هذه اللحظة تحديداً، دخل رجل أنيق للغاية لحدٍ مثير للإستفزاز، وكأن أمّه اختارت ثيابه وأملت عليه كيفية المشي والحديث والتصرف. لم تطل كلتا الفتاتين التفكير ليصلا في آن واحد إلى نتيجة مفادها أنه أحمق بلا شك، أو مفرط الذكاء على نحو سيودي بهما للهلاك. رغم امتلاء الفصل بالتلاميذ، إلا أنهما لم يدركا، أو لم ترغب كلتاهما بإدراك وجود الآخرين. في نهاية فصل واسع وفي طاولتان متجاورتان، لم يتواجد أحد سوى هؤلاء الثلاثة، كُلٌّ يرمق الآخر بنظرات استغراب وقلق.
تقدّم نحوهما ببطء، وفي لحظة أثارت دهشة و سخط الجميع في الفصل، أطلقت الفتاتان صرخةً متبوعة بضحك هستيري، حتى أن أحدهما اسندت رأسها على الأخرى لكيلا يسقط بفعل الجادبية. كتم الرجل ضحكته متظاهراً بالغضب.

"حسناً، أرى أنكما صديقتان الآن. ما اسمكِ؟"
"جلنار".
"جلنار..وصديقتكِ؟".

ضحكت الفتاتان بهستيرية مرة أخرى لأنهما لم يلتقيا قبل هذه اللحظة، وكأن الواقف أمامها عبدالناصر درويش وليس أستاذاً مرموقاً عاد للتوه من أميركا بعد إكمال دراسته.

"اسمي أمل".

ضحك الرجل ورجع خطوة للوراء، واضعاً كلتا يديه على طاولته ونظر نحوهما ثانيةً. في هذه اللحظة، أدرك أن هذا الفصل الدراسي لن ينتهي على خير بوجودهما معاً في ذات الفصل.

التفتت جلنار وأمل اتجاه بعضهما في نفس الوقت، وابتسمت كلتاهما بخبث للأخرى.

"ممكن تعطيني رقمك؟"

ضحكت أمل بهستيرية وأخذت هاتف جلنار، وكأن سؤالها لم يعني لها شيئاً لشدة بديهيّته. انتهت الحصة الأولى وعاد الجميع إلى ممارسة هرائهم وحيوانيّتهم اليومية من أكل وشراب، إلّا جلنار وأمل. فقد كان ذلك اليوم شاهداً على خمسٍ سنوات قادمة مليئة بنقاش فكريّ فاتن سيغيّر فكرة الجميع عمّا عهدوه عن أنفسهم.



يتبع ..

الثلاثاء، 15 أغسطس 2017

اِستِلال

بدون عسق وطنيّ مشترك أو صراخ صبيانيّ مُفتعل، هذه التدوينة ليست إلّا -غالباً ما يبدأ أي تبرير جيّد بـ"ليس إلّا"- إدلاء صريح وصادق.

لن يسمحوا لك بنسيان الماضي. لن يتوقفوا عند ذلك فحسب، بل سيعرضون عليك ماضيك بسائر أطيافه في تمثيلية تكاد تعيد الزمن إلى الوراء، وكأنه لم يكن وراءً قطّ، ولا زمن. فنهاية الزمن تبدأ حين تنتهي لحظتك هذه، لكن معهم .. لن تكون لهذه اللحظة نهاية، ولا لأي لحظة أصابك فيها الإحراج أو مسّ جنون طفوليّ. بالنسبة لهم، ما زِلت الطفل الذي تصيبه نوبات هلع متكررة ليلاً، وما زلت المجنون الذي يُخبئ رسائل تحت التراب علّها تصل لأصدقائك في عوالم أخرى. ستبقى أنت المغفل المجنون ذي الخمس سنوات ولن تعنيهم السنوات العشرين الأخرى من عمرك شيئاً. ستدخل الجامعة، ستقرأ أكثر من الجميع، ستكتب ببلاغة مدهشة وستصادق الكثيرين ممن لا تهمهم طفولتك لكن في نظرهم هم .. أنت الجاهل الأحمق المتعفّن في حجرتك والمنغلق على نفسه في أوهامه وتبلّده الذهني المدقع. سيذكرونك بإستمرار بكل ما تتمنى نسيانه من طفولتك بعبارة واحدة .. بنظرة أو إشارة. لن تكون لديك فرصة لتعيش حاضِرك بدون زيارة مفاجئة من الماضي، لن تلتفت للأمام دون أن يستلّك شيئاً ما للخلف. ولن تعترض، فقد اعتدت على الأزمنة المتداخلة ببعضها. تماماً كمن يعتقد بأنه لن يتكيّف مع العيش وحيداً في كهف أرمينيّ شاهق، ينتهي به المطاف موالياً للعناكب والدواب والجبال من حوله. سيعتاد .. مثل كل شيء آخر حوله. سيصبح جزءً من الصورة، تلك التي لا يعيبها شيء لشدة تجانسها. 

الاثنين، 17 يوليو 2017

To All The Sufferers



The moment I take the pill, I have about one hour to live painlessly. I can imagine fulfilling all my fantasies in that short time. Riding a bicycle, reading an abandoned book or chatting with the most intimate beings. But rather, I choose to meditate on the wall in front of me, drawing with my eyes endless paintings that reflect my deepest fears. I'd shiver, cry, crumble inside my inner caves and get lost there. It's my only time to lament the life I once had, the comfort of mind and soul that I bragged to own. I now have nothing but my own mental cages, stealing numbers from my short life expectancy. Every single detail has gathered to sear me, a moment of standing outside makes me feel as if my skin is roasted by the sun and soon would be swung by the wind. Every detail reminds me of my weakness and ephemerality.





Written, and sobbed, on a tough day. 

الثلاثاء، 20 يونيو 2017

فوق وجبة المشرحة

دماغ .. أرصفة وانحناءات دمويّة .. البياض يعمّ المكان، مُزخرفاً بإحمرارٍ مُبكٍ.
قبل أن تنتفض عينك، يُنهي الواقف خلفك آخر غرزة في باطنِ درع جمجمتك، تماماً قبل أوّل انحناءٍ ينشد السّلام في دماغك الجميل. بالتفاتتة مبهرة لرسغهِ، يقسم العظمة البيضاويّة إلى قسمين .. أحدهما يثبت مصرّاً على حفظ هويتك وكرامتك "الإنسانيّة"، لا يحددها سوى أربع رموز تضمن إنسانيتك إن اصطفت دون اعتراض كرموزِ آدمَ الأبّ. القسم الآخر .. يبقى مُعلقاً بآخر غِطاء شحميّ أسفل رأسك تحديداً، مُعلناً عنك .. عن أفكارك .. مشاعرك .. كل من عرفتهم .. كل ما عرفته وكل مالم يأتي بعده شيء، لتُحمل بعد ذلك الكتلة البيضاء بالغة الرقّة بين يديه .. مالِكاً إيّاك، وكل ما كنت عليه، معلناً .. مرّة أخرى .. أنّك قابل للإختزال. 
يضع فلقتيّ السلام في صينية حديدية .. ويبدأ بتمرير أصابعهِ حولها، شارحاً للجمهور تعقيد الجنس البشريّ المُذهل، مُتجاهلاً إيّاك، مرة أخرى، وكل ما اجتهدت لتخبئته في أغلى الخزائن لديك وأخطرها على العالم. 
يضع السكين جانباً، يُحضر أعظم مقصٍ كنت لتراه، ويبدأ في فصلِ عِظام قفصك الصدريّ، واحدةً تلو الأخرى .. حتّى تتكشف للعالم أجمل فراشاتك الورديّة المحميّة بعناية. يقعطهما بسكينٍ رقيقة حادّة، يُزيلهما، يرفع الكأس الورديّ أمام الحضور الذي يبكي من هولِ المعرفة. حينها فقط، تخبو فرحة انتصاره، حين يرى الضالة الأخيرة قابعةً هُناك، حاويةً كل ما ظننت أنك شعرت بهِ، كل ما ظننت جاهلاً أنّه مركز عواطفك، مزوّداً إياك بالخمر المُحمرّ اللذيذ .. ولخلاياك ما اجتاحها من السكرِ المنعش الذي جعل لكلٍ منها سباق ماراثون خاصّ. 
يُزيله عنك، مرّة أخيرة، ليست كالمرة التي ظننت أن "سارة" اغتنمتها. لا يرفعه كأي كأس نصرٍ هذه المرة، فهو ليس مخولاً للتبجح بما سيغدو الآن ملكيّة شخص آخر لم تعرفه، لكنك منحته حياته حين وقّعت على "يُسمح باستخدامه لأغراضٍ علميّة أو لتبرّع به". 
ماذا كنت لتعرف عن هذه اللحظة؟ .. أجل حتماً. 

الخميس، 9 مارس 2017

آخر الدراسات من كوكب أرض بي-3


 
نصّ مُستبق لنشرة أخبار الرابعة عصراً في كوكبٍ أرض بي-3.

-

معلومات الكوكب: يبدو أن الجميع يسير في الاتجاه المُعاكس دون أدراك لكن لم يشكلّ ذلك مشكلة لأنَّ جميع المرافق العامة والسكك الحديدة وأرصفة المشاة والشوارع الرئيسية عكست أنظمتها لتلائم الانعكاس البشري بي-3 لتوازيهِ في رجعيته.

-

لمراعاة فروق التوقيت: خمس ساعاتٍ في أرض بي-3 تُعادل الثلث العشريّ لثانيةٍ أرضية أو أيَّما كانت الكواكب الشخصيّة التي يعيش عليها البشر في هذا الكوكب. تجنّب ذكرها واجبٌ في نشرةِ أخبار رسميّة محليّة لكن في ظروف أخرى سيتسنّى لنا تعريفكم بغرابتها وغباءها غير المحدودين.

-

العلاقة بكوكب الأرض: بعيداً عن الأفق المحدود الذي يجمع كلا الكوكبين في علاقة شرعيّة -لتشابه الأجناس- فإنّ النشاز الفضائي بينهما يبلغ أوجّه في كل صباحٍ ثانويّ نادر مشترك بينهما جرّاء العزف الفوضويّ المصاحب لغريزة البقاء للأفضل، مودياً بأغلب القاطنين فيهما دخول سباتٍ عميق ينتهي بانتهاء مخاض الاتحاد التكوينيّ المؤلم.

-

الدراسة الأولى:

1- توصلّ باحثون من جامعة اينروفيلاك بي-3 أنّ المولود الأخير من فصيلةٍ بشرية أظهر أعراضاً انسحابيةً لما يسمّى بالتراجع التكوينيّ الشامل الذي طوّر ميكانكيا عمل أعصاب الأجيال البدائيّة بجعلها تختبر رؤىً عكسيّة نتج عنها خلل وظيفيّ أدّى إلى تطوير ردود فعلٍ عكسية لكلّ ما يعرض أمامها، مُحولاً أنظمة الكوكب إلى ما نشهده اليوم. وأكدّ البروفسور الذي قاد الدراسة أنَّ ما شهدهُ المولود من أعراض يأتي نتيجة لتجربةٍ قام بها لمراهقة حبلى في شهرها السابع بعد تبرعها للقيام بالتجربة وأدلف: "إن نتيجةً كهذه بإمكانها حلّ أهم مشاكلنا التكوينية التي عطّلت وظائف كثيرة ورثناها عن أسلافنا اللذين بدأت سلالتهم بالتزاوج مع قاطني كواكب أخرى ذوي أحماض أمينية شديدة التباين، مُخلٍّفة أجيالاً ذات ساعة جسمانيّة مُعتلّة".




الأحد، 5 فبراير 2017

محاولة صيد فاشلة

الزمن: 3 دقائق و ثانيتان.
غرض الكتابة: مُحاولة صيد السَفَلَة.
-

- "توقفي عن القراءة، إنها تلوّثك بجعلك تخوضين في ذات البواليع التي يخوض فيها الجميع".
- "أجننتِ؟ كيف بإمكانك حثّها على ترك القراءة دون أن تشعري بغباء ما تقولين؟".
صوت آخر، من مسافة لا تقل عن مترين خلف الصدغ الأيمين: "هاتان الغبيتان ستعيقان تطورك كإنسانٍ سويّ قادر على الاختيار الذاتيّ، اسمعي .. ما رأيك أن تغسلي قدميك بالماء البارد الآن؟".
- "يالكِ من ساذجة! توهمينها بأن غسل قدميها أولوية الآن؟ لطالما كنتِ سطحية وغير واعية بما يجري في عقل هذه المجنونة!"
- "حسناً، إنها تتأوّه الآن وتخطو كالسكارى نحو كوب قهوة آخر .. أهذى أمر جيد أم سيء؟ لا أعلم ولم أقصد الإستماع إلى أجوبتكم السخيفة".
- "هناك .. خلفكِ، أتشعرين به؟ لا يسعى للإنقضاض، يُحاول العثور على أفضل زاوية ليسخر من لاجدوى وقتكِ في الحمام.".
- "ألازلت تملأ رأسها بتفاهات المراقبة المجهولة المؤكّدة هذه؟ أنتَ مريض وتُحاول أن تمرضها معك".
أصوات أخرى غير مكتملة النمو تصيح من جهات مختلفة يصعب تتبعها : "اكتبي/ لا تكتبي .. أنتِ متعبة/ تناولي أقراص الحبوب المخبّئة في كوب لاستيكيّ/ هذه الأصوات ستقودك لبلاهة معقّدة/ ما الذي تفعلينه يا حمقاء .. لمَا لم تموتي بعد؟/ اصمتِ .. بإمكانك تتبع ....".

صوت ينفذ من أقصى نقطة فوق رأسي ويتمثّل في عجوزٍ بملامح غير واضحة وشعرٍ طويل أبيض يلمّ جلّ الدماغ ليلقي أمراً مقدساً: "من هؤلاء وماذا يريدون؟ لماذا لا أستطيع رؤيتهم؟ يا إله الجنون .. ما الذي فعلته لأستحقّ حفلةً فكريّة بشخوص وحوادث مختلفة كل بضع دقائق؟ ربما .. ربما يجب عليّ عمل شيء لإيقافها، لا أستطيع سماع الكائن الحقيقيّ الجالس بجانبي، هذه الأصوات تشوه وتُعطل عملية السكب البشريّ المتبادل من أفكار وعواطف، تمنعني حتّى من الأستماع لعواطفي ورغباتي الحقيقية (أو كما أظنّ على أية حال، إن لم نحظى بالحقيقة فماذا يمنع تمثّلها؟) . كل المشاعر والأفكار الممكنة مرهونة بما يحدث أثناء حفلة تبادل الشتائم بين هذه الأصوات الأنانية الساديّة، بإمكانها أن تنقلني بين خمس عوالم مختلفة، أو عشر .. وفي أسوء الحالات أكفّ عن العدّ لكثرتها، وكأنها تمسك يديّ لتوقفني رأفةً بي.
بقدر ما تبدو فكرة وجود أصوات دائمة مريحة ودافئة لأنها تؤنس وِحدتي .. إلا أنها لا تتحدث إليّ، بل عنّي. أشعر معها كأنني صبية في الخامسة يحاول الجميع إبداء آرائهم بما يعنيه الأفضل لهم. دون أن تفهم لما، أو ماذا بعد.
"صوت ريمكس يهدد بثقب طبلة الأذن".

الجمعة، 3 فبراير 2017

نادي التافهين

الدِماء أم الإبر أمامي .. مُحكمة الإغلاق وكأنَّ صانعها يعرفني شخصياً؟
أم هذا الخواء الذي يجبرني على تصنّع التفاهة .. تفاهة الأكل بشراهة وكنس الأرضية اللامعة والتيقّظ خلال النوم ومحالة التمييز بين الألوان. محاولة أحاول فيها إنجاح محاولة الآخرين في النظر إليّ بنظرة أقرب للطبيعية .. كأن أكون قادرة على الإحساس بإحساسين مُختلفين أثناء العصر والمغرب. أو أن أُبدي ردّتيّ فعل مختلفتين حين أنظر إلى فستانين بالغين الإختلاف للأعين الطبيعية. كأن أكون قادرة على تمييز الوجبات وفقاً لما يلائمها في ألوان الطبيعة. أو ربما، وهو أقصى ما يتطلعون إليه وما أتمنى اتقانه لأنعم بهدوءٍ لا تعكّره نظرات استحقار أو عبارات مؤذية عفوية، أن أستطيع النظر في عينِ ضحيّةٍ سينمائيّة دون الشعور بالخوف على قاتلها ودون تكرار حفلات ألعاب الدم الفوضوية .. والرائعة. أحياناً لا أفهم سبب تعاطفي مع القتلة المتسلسلين والمساجين المؤبّدين .. وأحياناً أخرى أفهم. أشعر أن بإمكاني تحمّل ذات السواد والسوء في قلبي دون محاولة معالجته بإحياء الضمير والإحساس بالذنب. أشعر كما لو أن بالإمكان صنع شرخٍ في الوريدِ الأوسع في قلبِ الكون دون الشعور بالنهاية .. ودون رسم تفاصيل ساذجة عمّا يُمكن أن يحدث. قطع الأوصال لمجرد قطعها .. أو للشعور بشيء جديد أو أوّل، وإنهاء تضخّم أفكار مجرّدة في دماغٍ لم يعد يتّسع. إلى أين سيقودني هذا الخواء؟

الخميس، 13 أكتوبر 2016

ذُبـــــــــــــــــــــابة

تحذير: ستندم كثيراً أثناء قراءة هذه التدوينة لإضاعتك وقتاً ثميناً كان يٌمكن أن تستغلّه في مُشاهدة بريكنج باد أو جزء جديد من saw .. أو في تهريب علبة سجائر جديدة من منزل جدّك أو مُحادثة حبيبتك العالقة في ازدحام شوارع القرم.

فهي تتحدث عن ذبابة.

الذبابة اللعينة ذاتها التي تُلاحقني كنسخةٍ مُعدّلة من ظِلّي .. في كُل مكان بدءً من الدخول من نافذة الحمّام إلى نافذة سيارة تعليم السياقة. قبل أسبوعين بالقرب من حديقة القرم كنت عالقةً صباحاً في ازدحام مٌغيظ وفي اللحظة التي وصلتُ فيها إلى الجسرِ رأيت ذبابة تلعق الغبار الشهيّ من النافذة وفكّرت: إحدانا فقط يُمكن أن تصل لنهاية الجسر. رفعت يدي عن المقود دون الضغط على البريك وبدأت بالحرب العاطفيّةِ معها، أقول أنها عاطفية لأنني لم أشأ حقاً إخراجها بل إغاظتها. لوّحت بيداي في كل زاوية تقفُ عليها حتّى اقتربت من النافذة .. بدأ لُعابي يسيل حماساً حِين ضغطت على زر فتحها و ... لم أشعر إلّا بيدِ المدرب تلفُّ المقود بقوة لتبعد السيارة عن السقوط .. تلقائياً نحو المسار الآخر. حِين أدركتُ أن السيارة واقفة عرضاً في كِلا الشارعين -مثل سيارة شرطة سخيفة تغلق الدوَّار- أدركتُ أنَّ الذبابة ضمنت لها عندي اهتماماً كبيراً لم يحظى به أحد. لوهلة -وفي اللحظة التي بدأت فيها السيارات خلفي تضرب الهرن بجنون والجميع يلوّحون بيدهم بغضب وبلغة إشارة تعني: هل جننتِ؟- شعرتُ أنّه بالإمكان خلق علاقات تتحمّل غيظاً واستنزافاً وغِياب كلّي عن "اللحظة" مع حيوانات لا تتطلب  شِراءً ولا عناية كالذبابة. ما أن أدركت هذه الفكرة الاجتماعية والمنصفة حتّى أصابتني نوبة ضحك لا مبالية بالمزاجِ الصباحيّ للآخرين .. استأنفتُ السياقة رغم مُدربي العجوز الذي أحسّ بالخطر على حياته: تبي تقتلينا؟ الله يلعنك.

الجدير بالذكر أنّ تلك الذبابة التي أسعدتني في ذاك الصباح المزدحم كانت نفسها التي كلّفتني ألم بغيضاً طويل المدى في ظهري. قبل سنة من الآن .. وفي اللحظة التي امتلأت فيها أرضية الحمام بالصابون عديم الرائحة .. رأيت ذات الذبابة تُحدق بي من زاوية جافّة لم يصلها غضبي المائيّ بعد .. فكّرت: بدأت المشاكل من جديد. اتخذّت الحرب يومها مأخذاً مائياً مِن قبلي و مُحلقاً مِن قبل صديقتي الملعونة .. رششتها بكل شيءٍ سائل توفّر أمامي .. حتى veet. حين أمسكت بالفوطة لأحقق ضربتي القاضية .. اختارت إحدى قدماي أن تحيد عن السراط لتُسقطني على حافة الحوض التي عطّلت وظائف ظهري وامتصّت من عُمري عشرين سنة. حتّى حينها لم أغضب .. لا شيء أكثر من الأنزعاج المّعتاد والمُتبادل بيني وبين الذبابة.

أكتب الآن لأتجنّب التفكير في كتابة الواجبِ اللغويّ الذي بدأ يحوم في خلفيٍة دماغي كذبابة من نوعٍ آخر .. ذبابةٍ أودّ قتلها .. وتشريحها .. ثم تناول جميع الأجزاء بطريقة صائبة في إعداد الصلصات.

السبت، 9 يوليو 2016

نافذة بلا زجاج


السّاعة: 3:46 فجراً.

-

لا أدري إن أوشكت الشمسُ على الشروق، سطحُ الغٌرفة لا يُبدي رأياً بذلك.

وِسادتي بيضاء عدا بعض البقع السوداء لأنني لم أنسى إزالة الكحل ليلة أمس.

أعلم أنّه ليس بإمكاني التأكّد من صلاحي ونفعي، لهذا اعتمدت على أحكام الجدار لأنّها تُرضيني وتُوافقني الرأي بي.

ما لم أتعمّده حقّاً هو إضافة بضع ألعابٍ أخرى في حديقة عقلي الخاصّة، ضاعفت الإضافة إغراء الحديقة للطفلِ الكائن بداخلي، الآن يستطيع اللعب بوضوح في الظّلام.

أستخدم السجّادة كواقي فعّال من حرارة اللابتوب، ليس لأنّ السرطان بشع بل لأن حرارة اللابتوب تُشعرني بعدم الصلاح الأخلاقيّ.

لماذا نهرب كلّما شعرنا بعهُرنا؟ لماذا نتغلغل فيه لنهرب أسرع؟

تتعدد الطرق، وينجو الجميع، من عهرهم، من بشاعتهم، من سطحيتهم، من وحشيتهم ومن حقيقتهم.

أُحاولُ ألّا تكون هذه التدوينة عن شيء لتعكس الجانب الأهم منّي ومن تحليلاتي للواقع، قد لا أكون مضطرة لشرحِ هذا لكن أدرك أنني أكتب في المقام الأول لأكثر القرّاء المخلصين: لــي.

هذا الصوت الذي يتعمّد تخطّي الحبال الصوتية ليخرج من أحشاءِ المغنّي إلى أحشائي، صوتٌ استفاق لتوّه من نومٍ لذيذ.

أعترف، أكتبُ الآن لأثبت ضعفي. أكتب لكيلا أرفع قدمي خطوة أخرى نحو المرحلة التالية، أكتب لتمنحني الكتابة عذراً آخر لكيلا أكونً بكامل جرأتي الآن لأقنع الآخرين بضرورة رجمي.

لا أشعر بالوحدة بقدر ما أشعر بضياع وقتي في شعوري بالوحدة.

لستُ موجودةً هُنا الآن، لستُ على سريري، لا أرتدي قميصاً بنفسجياً ولم ألف شعري الخفيف المُتساقط بمشبكٍ برتقاليّ.

أنا هُنا الآن، أخرجُ رأسي من كهفي المضغوط بالغازات السامّة والمُزيّن بغزلِ العنكبوت نحو الخارج، نحو الشمس التي تُعاكس السماء وتتبختر في لجوئها للأعلى، نحو مكانٍ تعرفُ أنّه لن يؤذيها. قد لا أختلف عن الشمسِ كثيراً، كِلانا تُخرج رأسها من مكان ما وتدفع جسمها للداخل خوفاً من التجلّي، خوفاً من الإندفاع الذي لا طائل منه.

لطالما تمنّيت ألّا أتمكّن من التفكير، من التخيّل أو من الإستيعاب. حقق لي هذا الثالوث مالم تحققه أيَّ قوة أخرى تدّعي بأنها موجودة، فقد حقق لي البؤس.

مخاوفنا الحقيقية لا تكمن في محض أوهام نسميّها الجزاء الأخير، بل هُنا، في البدايات المُتلذذة بإلتهامِ وقتنا و عواطفنا و مبادئنا و أسبابنا.

لقد عشتُ 21 سنة. أدركتُ فيها أنَّ كُلَّ شيئاً مهما بدا مهمّاً ليس سوى ضياعٍ مثاليّ للوقت.

ما جدوى العيش في عالمٍ لا يحترم وقتك؟ عالمٌ صمم نفسه ليستهلك كلَّ ما يعنيك، رمال الزمن المُتحرّكة.

لم أعد بِحاجة لفحص الآخرين سلوكياً، أو لتجربة حظّي بين الصداقات المتعددة، لم تعد هذه الحيوانات شبه الواعية تهمّني، لم يعد يهمّني شيء سوى تقبّل حقيقة ضياع وقتي بينما أتفحًص أفكارهم وأسبابهم وطرائقهم.

إلى قارئتي الوحيدة، إليّ، لا أأسف لإعلامكِ أنَّ هذه هي التدوينة الأخيرة، فقد فهمتُ كُلَّ ما يستدعي الفهم، لا حاجة للكتابة بعد الآن.

شكراً لإخلاصكِ، وشكراً للكتابة، لقد مهّدت لي بكُلِّ أدبٍ وترويّ حقيقة اللامعنى. شكراً لجميع الشخوص اللذين مرّوا من هُنا، شكراً للنافذة من زجاج.







                                                                 - الخــــــــاتمة -

السبت، 2 أبريل 2016

شيزوفرينيا



إمَّا أن يكون الجميع مصابون بالفصام أو أنا وحدي. أيَّاً يكُن، لا يُمكن أن نعيش معاً في ذات الواقع الذي نظنّ أننا نعيشه. وما الواقع سوى ما نختار سماعه ورؤيته والإيمان به؟ هذه الهلوسات .. هذا الصوت الذي يُناديني من الداخل ويدعوني لما يجعلني مريضة ومجنونة وتافهة في نظر الآخرين، هو الصوت الوحيد الذي أؤمن به. حتى صوت المحاضر لا يبدو لي حقيقياً .. بل مُجرد ترددات صوتية اختلقها الأخرين لتُضعف حِدَّة الأصوات الحقيقية بدواخلنا. لا يُمكن أن تكون قاعدة النحو تلك أهمّ من هذا الصوت الذي يُقاتِل ليُسمع، كما لا يُمكن لثرثرة عديلة ووصيفاتها أن تُعادل أهمّية رغبتنا المُلّحة في سماعِ صوتٍ أخرس يُمثل كل ما نحن بحاجةٍ إليه لنحظى بدقيقة سلام. كل ما يُمكن أن نراه قد رأيناه وكل ما أمكننا سماعه قد سمعناه، لا توجد مرحلة أخرى في هذه العمليّة التي لا يتعبّها السهر لتنال من حقيقتنا وهوّياتنا المضطهدة. لا يُمكن -تحت أيِّ ظرف- أن توجد حياة أخرى أشدّ بؤساً أو جمالاً من هذه الحياة، الإيمان بذلك كإيمانك بأنَّ الموزة المتعفّنة بجانبك ستتحول فجأة إلى تفاحة. كل من أمكنهم إقناع أنفسهم بذلك مجرد ضحايا للأمل. هذا الفكّ العريض الذي التهمنا جميعاً ولم يشبع بعد.
هذا الصوت الداخليّ .. هذا الصوت الأهم من كلّ صرخات الحياة الأولى .. هو كل ما يمكننا الإتِّكاء عليه بثقة وبلا قلق. هذا الصوت الذي قُتل مراراً وازدادت حدّتهُ في كُلِّ مرّة، هو ورقتنا الرابحة الوحيدة. لطالما أشفقت على من يبحثون عنه في الكتب والأديان والصلوات والأساطير. لا يُجيدون أن يخرسوا قليلاً .. قليلاً فقط .. ليسمعوا الصوت الوحيد الذي سينقذهم من فظاعة الحياة. هذا الإنقاذ لا يعني عدم وجود إصابات أو وفيّات، بل يعني قدرتك على الوقوف أمام مجتمعك وحياتك وأقنعتك وخوفك وطفولتك وأن تقول: هذا أنا .. هذا أنا.

الاثنين، 14 مارس 2016

على خيبتك؟


ها أنتِ الآن .. بعد مخاضٍ ظنَّ المُتحرِشان أنَّه سكتتكِ الأخيرة، تهربين من مشفاك الذي لوَّثَ عروقكِ بمُخدِّرٍ مُخادع تسرَّب لدماغٍ مُحاصر في نفسه، لُيراودهُ عن الحقيقةِ يوماً آخر .. تنزعين ثوبك الأبيض الذي ساهمت شركة نيدو في صنعه والمراعي لتزيينه بصورة بقرة مُستنسخه. تركضين لا يُخفّف سرعتك سوى ألم قدمك اليسرى، تركضين عودةً للواقع .. عودةً لقولِ الحقِّ مرةً أولى، للنقاش أوهمتك أدوية المشفى أنَّ موعدهُ فات.
ها هي تنتظركِ هُناك .. مُرتديَّةً ثوبها البنيّ الذي لطالما أراحكِ من "مطبّقة" الوادي وتاج أسود يعيد للخلف شعرها المُتطاير، ليست في أفضل حال ممّا تركتها آخر مرة لكنكِ تعلمين أنَّ ذلك لا يهم، فأنتِ هُنا الآن لتبعدي عنها كل خطرٍ "صباحيّ". تنظر إليك بعينيها العسليتين بحبٍّ وشغف لتلفَّ روحها بجسدكِ الهارب. تقتربين منها كطفلٍ يُوشك أن يُوبَّخ، لكن ما أن تُلامِسَ يدها جسدك حتّى تشعرين بها ترقص بِداخلك، تُحوِّلً عينيك في كل اتجاه وتتحمّل مسؤولية التلويح بيديكِ للمشفى الذي لن يسعهُ ماضيكِ. تنتزعينها مِنكِ ليحظى اللقاء بقداسته المُستحِقَّة، تلفينها رغماً عن السموم التي تملأ عروقك .. وكل الإخفاقات والأكاذيب التي رُميت فيكِ كمن يُفخّخ دون مسؤولية قنبلة في حارةٍ مُكتظَّة. تُمسكينَ يديها بشدة حتى تكاد تغرق في ثنايا كفَّيكِ وتتّجهين، عاريةً، نحو منزلكِ، نحو الساعة السابعة صباحاً في شتاءٍ يسبق التحاقكِ بالمدرسة.

-

تُدركين الآن، وأنتِ تلفّين الخيبة في حقيبة ترمينها على كتفك، أنَّ هذه الذكرى لن تُحمل على كتفكِ وحده، بل على كتفكِ الأخرى كذلك، حين ألحَّت عليكِ مُقاسمتها كل أثقالك. تبتعدين والأنين الصادر من طفلتكِ لا يُفلتُ منكِ، يغزو أحشائكِ كسرطانٍ لعين، يُعييكِ ويُضعفكِ. تعلمين أنَّ جسدك لن يُقاوِمَ دقيقةً أخرى .. لكنّكِ لا تكفّين عن السير، حتى هذه الدقيقة الأخيرة تستفزّكِ بمدَّتها القصيرة، حتى هي، ككل الدقائق، تستهلك أناكِ وتُضعفها، لكنّك لا تكفّين عن تحريك قدميك، ولا تفهمين لِما تبدو الدقيقة الآن كيوم آخر لعين رغم إخفاقك. خطوةً أخرى، وتودَّعين أناكِ ذات الخمس سنين وتستسلمين لإغراء المستقبل القريب بأن يأخذكِ إلى أبعد ممّا وصلتِ، إلى خيبةٍ أخرى .. أو ربَّما .. تحرّش آخر.








21\20\2000

الخميس، 10 سبتمبر 2015

نفايات الواقع السعيد


خفقة تلو أخرى .. أتجرأ على انتهاك زِر "مدوّنة جديدة" و .. بوووووووم.
لا أنوي كتابة شيء في الحقيقة .. لا أشعر بشيء وليس لديّ قضية مُلحّة لأعرضها .. كما أشعر بالتورّط بشكل أو بآخر في هذه الزوايا الأربع التي تحتّم عليَّ بطريقة بغيضة كتابة أيّ شيء تافه لا يستحق سبباً آخر لاكتظاظ الشبكة .
أو ربما .. فقط ربما .. تكون هذه المقدمة السلبيّة مفتاحاً لهروب آخر .. الهروب الذي نجحت فيه وفَلَتت من العقاب .. هل توجد مِقصلةٌ أخرى تُبيدُ الإبن الذي خَذلَ أباه ؟ أم أنني توهّمتُ وجود عدالةً كتلك تُقصي الجبناء وتعيدهم لنقطة أبعد من التي هربوا منها .. ليتني أستطيع الإمساك بالزمنِ مرّة أخرى لألويهِ بكفّي الخشن وأُبصِر ما بعده .. ما بعده؟ أيعود الأبُ الروحيّ الذي أعطى كُلَّ شيءٍ لِينال إقصائه؟ أي عدالةٍ ننتظرها في واقع لا يُجيد تكريم المُضحّين .. بينما يتفنن في إخراج نفاياته وتقنيعها بما يُلائم فضيحته التالية .. ماذا تنتظر من واقِعٍ ظنَّ إيلان سمكةَ هامور .. وظنَّ ملايين الهاربين من جحيم لا يستحقّونه خائِنين وناكرين لِجميل وطنٍ أطعمهم الحجارة وأسقاهم العَرق .. ماذا تنتظر من واقعٍ تجري فيهِ الشعوب كقطيعِ مرضى خلف قائِدٍ يُقرِرُ مِن كُرسيهِ المُريح تفجير منزلٍ تسكنه عائِلةٌ سعيدة .. لن يمكنك تغيير واقعٍ يظنّ أنَّ كايلا جَنَت على نفسها اختطافها واغتصابها مِراراً وأخيراً قتلها من قِبل داعش .. في واقع كهذا لا يُمكنك توقّع الأفضل، لكن يُمكنك إغلاق عينيك بِلاصقٍ أبديّ وقص أُذنيك لتُخفف جرعة الواقِع المُرّ .. متى شرِبت الشاي آخر مرّة؟

الاثنين، 16 مارس 2015

لوحة فنية في أنابيب الصرف


الوقت يبدو لوهلة كلبنٍ غليظ يشقّ طريقه في بلعوم نحلة .. لابدّ أنها اعتقدته شراباً إلهيّاً سينسيها كميّة السم التي أثقلت ذيلها، على أيّة حال تبدو مصيبة النحلة تافهة مُقارنة بمصيبتنا حين نبتلع بكتيريا اللبن لا لغايةٍ إلا لجعلها تغزو أنابيب الصرف الصحيّ .. ما أعرق الفضلات التي يُمكن أن يتباهى الإنسان بإخراجها؟ يأسه بِلا شك .. حين تكون أقصى أمانيك أن يمرّ يومك بسلام اعلم أنَّكَ يائس، حِين تسعى للفرار بما تبقّى منك وسط معمعة الجميع فاعلم أنّك -وإن لم تقرّ- يائس .. حين يكون تخطّي الإختبار عِوضاً عن التميّز فيه همّكَ الأكبر فأنت بلا شك مُصابٌ بِداء يُساويك بالحمير .. أليس معظم من تعرفهم يائٍسون إذاً؟ أجل .. لكن لا أحد يتحدث عن ذلك .. يُمارٍسون يأسهم مثلما يُمارسون التّباهي بإخراج الفضلات وجعلها لوحة فنيّة في أنابيب الصرف التي تعتبر وصلة وطنيّة هامّة بين مناطق بلدك .. لم تعد هناك مساحة واسعة للشعور بالإحراج من الإعتراف بأن أكثر ما يتفنن به الإنسان هو الإعتناء بفضلاته التي تصلح بعضها للأكل خصوصاً تلك التي يتقيأها قلب غاضب انتقاماً لوحدته .. ألسنا فضلات في النهاية؟ ألم ننتج من عمليّتين إخراجيتين وجدتا طريقهما نحو رحمِ امرأةٍ ما؟ ربما .. وربما نكون آخر ما ابتلعه الوجود دون قصد وسط تلاقح فوضويّ للأكوان .

الأحد، 14 سبتمبر 2014

لا..في وجهِ الموت.


القوّة التي لا يُخطِئها فؤادك هيَ التي تنتشلك مِن سُباتِك كإنفجارٍ ضاقَ ذرعاً بِسكونك، القوّة التي تمسحُ رواسِبك بيدِها المُتشقّقِة، وتُلقيكَ في وجهِ اللحظةِ..لتعيشها بِكُلِّ ما اوتيتَ مِن حياة .
لا أعلم مِن أيِّ مخزونٍ تأتيني لحظاتُ قوَّةٍ كهذه..لكنّها تأتي في الوقتِ المُناسب، الوقت الذي لا تُفلحُ فيهِ أيُّ يدٍ غيرها في إنتشالي..قوّةٌ مِن روحِ اللهِ التي نَفَثَ الحظِ العظيم فِيها لِتقعَ على فؤادي وتُلقيني للسّماء التي أعودُ مِنها بِلا خوفٍ ولا ضعف..القوّةُ التي تجعلك قادِراً على فضحِ جنونك ولو بِجعلِكَ تقِفُ أمام الجميع وتخلعُ أقنعتك..القوّةُ التي تجعلك تقف رُغمَ إسقاطِ العالم لك..القوّة التي تمسكُ يدك حِينَ يتخلّى الجميع عنك..لحظةٌ تستحقّ منحك وقتك وطاقتك لها..ولحظةُ تقولُ لا في وجهِ الحياة حِين يقولُ لكَ الموتُ نعم..لحظةٌ تزوّدك أكثرَ ممّا تحتاج لإكمال الطريق..لحظةٌ تجعلك تحسمُ مصيرَ جميعِ المهمامّ التي أجّلتها..لحظةٌ تُحرّرك وتجعلك أنقى مِن أيِّ وقتٍ عرفتَ فيهِ نفسك..لحظةٌ تخبرك أنّك "تستحقّ" وإن رَماكَ الجميعُ وأغلقوا أبوابهم..تستحقُّ خطوةً إضافيّة على هذه الأرض وتستحقّ النَفَسَ التّالي..لحظةٌ أُحيَت لكَ مِن رحمِ القوّة لتقولَ لكَ بالنّبرةِ الواضِحةِ أنَّ لا وجودَ لأيِّ عقبةٍ لا يُمكنك تخطّيها..قدراتك الخفيّة مُصمّمة لتخطيّ كُل ما تملكهُ العقبات لإعاقتك..وحِينَ تمتدُّ يد الضعفِ إليكَ مُجدداً..إقطعها:)

اشعر بِنفسك تحيا في كُلِّ الأزمنةِ والأماكِن باختلافِ ظروفها .. هكذا تقهرُ ضعفك .
مُلاحظة: تخلّلَ كِتابة هذا النص الكثيرَ مِنَ الرّقص .