الاثنين، 16 مارس 2015

لوحة فنية في أنابيب الصرف


الوقت يبدو لوهلة كلبنٍ غليظ يشقّ طريقه في بلعوم نحلة .. لابدّ أنها اعتقدته شراباً إلهيّاً سينسيها كميّة السم التي أثقلت ذيلها، على أيّة حال تبدو مصيبة النحلة تافهة مُقارنة بمصيبتنا حين نبتلع بكتيريا اللبن لا لغايةٍ إلا لجعلها تغزو أنابيب الصرف الصحيّ .. ما أعرق الفضلات التي يُمكن أن يتباهى الإنسان بإخراجها؟ يأسه بِلا شك .. حين تكون أقصى أمانيك أن يمرّ يومك بسلام اعلم أنَّكَ يائس، حِين تسعى للفرار بما تبقّى منك وسط معمعة الجميع فاعلم أنّك -وإن لم تقرّ- يائس .. حين يكون تخطّي الإختبار عِوضاً عن التميّز فيه همّكَ الأكبر فأنت بلا شك مُصابٌ بِداء يُساويك بالحمير .. أليس معظم من تعرفهم يائٍسون إذاً؟ أجل .. لكن لا أحد يتحدث عن ذلك .. يُمارٍسون يأسهم مثلما يُمارسون التّباهي بإخراج الفضلات وجعلها لوحة فنيّة في أنابيب الصرف التي تعتبر وصلة وطنيّة هامّة بين مناطق بلدك .. لم تعد هناك مساحة واسعة للشعور بالإحراج من الإعتراف بأن أكثر ما يتفنن به الإنسان هو الإعتناء بفضلاته التي تصلح بعضها للأكل خصوصاً تلك التي يتقيأها قلب غاضب انتقاماً لوحدته .. ألسنا فضلات في النهاية؟ ألم ننتج من عمليّتين إخراجيتين وجدتا طريقهما نحو رحمِ امرأةٍ ما؟ ربما .. وربما نكون آخر ما ابتلعه الوجود دون قصد وسط تلاقح فوضويّ للأكوان .

الأحد، 14 سبتمبر 2014

لا..في وجهِ الموت.


القوّة التي لا يُخطِئها فؤادك هيَ التي تنتشلك مِن سُباتِك كإنفجارٍ ضاقَ ذرعاً بِسكونك، القوّة التي تمسحُ رواسِبك بيدِها المُتشقّقِة، وتُلقيكَ في وجهِ اللحظةِ..لتعيشها بِكُلِّ ما اوتيتَ مِن حياة .
لا أعلم مِن أيِّ مخزونٍ تأتيني لحظاتُ قوَّةٍ كهذه..لكنّها تأتي في الوقتِ المُناسب، الوقت الذي لا تُفلحُ فيهِ أيُّ يدٍ غيرها في إنتشالي..قوّةٌ مِن روحِ اللهِ التي نَفَثَ الحظِ العظيم فِيها لِتقعَ على فؤادي وتُلقيني للسّماء التي أعودُ مِنها بِلا خوفٍ ولا ضعف..القوّةُ التي تجعلك قادِراً على فضحِ جنونك ولو بِجعلِكَ تقِفُ أمام الجميع وتخلعُ أقنعتك..القوّةُ التي تجعلك تقف رُغمَ إسقاطِ العالم لك..القوّة التي تمسكُ يدك حِينَ يتخلّى الجميع عنك..لحظةٌ تستحقّ منحك وقتك وطاقتك لها..ولحظةُ تقولُ لا في وجهِ الحياة حِين يقولُ لكَ الموتُ نعم..لحظةٌ تزوّدك أكثرَ ممّا تحتاج لإكمال الطريق..لحظةٌ تجعلك تحسمُ مصيرَ جميعِ المهمامّ التي أجّلتها..لحظةٌ تُحرّرك وتجعلك أنقى مِن أيِّ وقتٍ عرفتَ فيهِ نفسك..لحظةٌ تخبرك أنّك "تستحقّ" وإن رَماكَ الجميعُ وأغلقوا أبوابهم..تستحقُّ خطوةً إضافيّة على هذه الأرض وتستحقّ النَفَسَ التّالي..لحظةٌ أُحيَت لكَ مِن رحمِ القوّة لتقولَ لكَ بالنّبرةِ الواضِحةِ أنَّ لا وجودَ لأيِّ عقبةٍ لا يُمكنك تخطّيها..قدراتك الخفيّة مُصمّمة لتخطيّ كُل ما تملكهُ العقبات لإعاقتك..وحِينَ تمتدُّ يد الضعفِ إليكَ مُجدداً..إقطعها:)

اشعر بِنفسك تحيا في كُلِّ الأزمنةِ والأماكِن باختلافِ ظروفها .. هكذا تقهرُ ضعفك .
مُلاحظة: تخلّلَ كِتابة هذا النص الكثيرَ مِنَ الرّقص .

الاثنين، 8 سبتمبر 2014

سِحرُ ماركيز


لستُ قارِئةً مُجتهِدة، لهذا أُقدِّرُ جميعَ الكتبِ التي أُنهيها لأنّها قد تكون الأخيرةَ بعدَ عودةٍ مُستحيلة .. أتذكّرها جيداً كمن يتذكّر فقيدهُ الأخير الذي دُفِنَ في ساحةٍ خضراء، لِكُلِّ كِتابٍ ساحة .. تتباينُ درجاتُ الخضرةِ فيها لكن جميعها تملِكُ نفسَ اللحن الذي يُدركُ المارّونَ خِلالها أنّهُ مِنها، أمّا بِالنسبةِ لي .. فإنَّ الكتاب الذي اختارَ أن يُدخِلَ الخضرةَ في قلبي على أن يُدفنَ فِيها جاعلاً إيّاه حيّاً بي ومني هو رواية مائة عامٍ مِنَ العزلة .. تغلغلت ألحانُ هذه الرواية إلى صدري كما لم تفعل مقطوعةٌ قط، أسرتني للحدِّ الذي جاهدتُ فِيهِ لِكيلا أُنهيها .. كمن يصبُر عن بلوغِ نِهايةِ النّشوة ويُحاوِلُ مُحمرَّ الوجنتين ألّا تنتهي تِلكَ الحظة التي تسبقُ الإكتفاء، وقد بلغَ صبري على التمّهلِ فِيها شهراً كامِلاً رغم قدرتي على إنهائِها في أسبوع .. تسحرُ الأفئِدةَ كما لم تفعل عصاً سِحريّة من قبل .. قربيةٌ مِنكَ للحدِّ الذي تظنِها قِصّتك .. تُعلِّق شخوصها في مُقلتيك حتّى يُثيرُ بؤسَكَ موتُ إحداها .. لن تنجح قط في إقناعِ نفسِكَ أنّها أحداثٌ وشخوصٌ مُتخيّلة رُغمَ خروج الأحداث فيها عن نِطاقِ عالمِك .
بعدَ إنهائي لها تأّوّهتُ كمن أنهى لتوِّهِ قراءةَ رسالةِ مِن عاشِقهِ .. تمنّيتُ لو منحني الحظُّ فرصةً لأسكنَ يوماً واحِداً في عالمِ ماركيز الذي لا يعرِفُ حدوداً .. كنتُ سأعِدهُ أن أكونَ مُواطِناً صالِحاً كيلا يُفنيني مِن عالمِه الذي لن تتّسع لهُ حواسّي لعمقهِ الشّديد .. عالمٌ مليءٌ بالإحتمالاتِ اللامُنتهية ورائِحة السّحر الجميل التي تُحرّكها الفوضى وقلبُ ماركيز الرّقيق .. دافئٌ كالثّوبِ الأول الذي حاكته يد أمّك لَك .. عذبٌ كمشيتكَ الأولى وأنت تُحاوِل تخطّي العائِق الأوّل فتسقط .. بريءٌ كطفلٍ يطلبُ مُسدّسكَ ظناً مِنهُ أنّه لعبة.
شُكراً ماركيز .. شُكراً بحجمِ جميعِ الحدودِ التي أسقطتها عن خيالِنا الذي تعفَّنَ مِن عالمٍ رحلتَ عنه .. شكراً أيّها الغالي جداً على الكلِمات .. المجدُ لكَ أيّها الأبديّ .

الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

إنصافٌ مُصغّر لِلكتابة


لستُ مُتأكّدة إن كنتُ أودّ كِتابة شيء مُعيّن الآن، لكن سأكتب لِغرض الكِتابة ليسَ إلّا .. وهذا وحدهُ هدفٌ نبيل قذر .. يصنعُ نُبلهُ مِن قذارته. على كُلٍّ أظنُّ أنَّ الكِتابة امرأةٌ عجوز تمرُّ عليها أيّامُ العنفوان أحياناً، جالِسة بِثوبها الطّويل ذو الشّقِّ العالي الذي يكشفُ عن ساقِها مملوءة الشّعر، تُمسك بإبرةِ الحِياكةِ التي تطعن إصبعها كثيراً دون عمد .. لا تتذمّر، فقط تمنح الإبرة حقّها في إرتكاب الأخطاء وتبتسم حِين تُبالِغ في سكبِ دمِها، عيناها الغائِرتين تأسرانِ النّظارة التي مضى على انكسارها شهران، تُغريهِا لتجعل العالم في مُقلتيها أدقّ، بينما يأسرُ صوتها آلةَ العودِ المُعطّلة التي تُحيّيها دائِماً بعزفِ مقطوعاتٍ تستفيقُ لها الأزهارَ في شُرفتِها حِينَ تُقرّرُ أن تُغنّي، لكِنَّ الثّوب..الثّوبَ الذي تحكيهِ وحدهُ مَن يتمنّى ألّا تفرغَ مِنهُ كيلا تفوتهُ نعومةُ كفّيها وهيَ تتحسّسه..وحدهُ مَن يتمنّى لو يُصيّرُ جِلداً لِيحظى بِشرفِ رؤيةِ السّرِ الكامِن في مفاتنها التي لم تذبل رغم شِيبِ الزّمان..بينما يُغري شعرها الأبيض المُنسدِل على كفّيها النَّسيمَ ليمُرَّ عليه .
إنّها الكِتابةُ التي تُغري كُلَّ شيء، الكِتابةُ التي تتحدّى القدر بِجعلها عجوزاً تفوتها بعض القفزات..أحمق حقاً..لا يعلمُ أنَّ روحها أبديّةُ الشّبابِ لن تذبل أبداً ولن يُصيبها عَجز..لم يعلم أنّها تفوّقت عليهِ حِينَ منحت أبنائها حقَّ معرفتهم لها ما منحها ديمومةً لا ينفلِتُ خيطها مِنَ الوجود، سهلةٌ مُدهِشة .. تتغلَّبُ على الجميعِ في اللحظةِ التي يظنّونَ أنّهم تغلّبوا عليها .. تفتحُ أبوابها في لحظةِ تسبقُ اليأسَ مِنها .. قريبةً حتّى ممّن يدّعي بعدهُ عنها.. تمُدّ كفّيها لكَ مهما شتمتها واتهمتها .
مجدٌ لا يموت .

الخميس، 7 أغسطس 2014

تدوينة لكلّ الصباحات المُتكرّرة .


نهضتُ اليوم مُبّكراً .. أو بالأصحّ لم أنم بعد .. فاتني أن أنام منذ ما يزيد على يومٍ كامِل .. والوضعُ الآن لا يسمح أن ألبّي النِداء الحيوانيّ الذي يدعوني للنوم .. وأقولُ عنه حيوانيّ لأنّنا حتّى الآن لا نعرِفُ كاِئناً غير الحيوان ينام مِثلنا .. قد توجد كائِنات فضائيّة بعيدة جداً لكن سيبدو ذِكرها الآن تكبّراً لأنني لا أعرف عنها شيئاً سِوى أنّها خياليّة وقد تكون على العموم أجهزة تجسّس أمريكية لتكتشف ما يفعله العُمانيّون كلّ صباح .. على كلٍّ أنا لا أدعو أوباما أن يأمرها بِمراقبتي لأنَّ ذلك قد يجعله ييأس من حياته أكثر حِين يرى أنَّ مخلوقاً مِثله لا ينتهز الفرص المُمكنة والتي لا يقوم هوَ أيضاً بإنتهازها .. لا تقلق أوباما أنا أيضاً أسوّف الإنصياع لها ولا أدري متى كانت آخر مرّة شعرتُ فِيها بأنَّ واجبي كإنسان مُبصِر أن أفتح كل الأبواب الغير مُغلقة أمامي .. ولا أظنّ كذلك أنَّ آخر باب دخلته أعجبني ما بداخله لكن لا أشعر أنَّ الباب التالي يُغريني بِالقدرِ الكافي الذي سيجعلني أنهض مِن مكاني لفتحه .. لا أجيد حقّاً النهوض مِن مكاني لأنّي مع كلّ نهوض أكسر عظمةُ مِن ظهري وهذا أمرٌ مُرهقٌ حقّاً إذ لم يتبقّى لي من العظام الصحيحة سِوى إثنان سأكسرهما قريباً أثناء فتحي للبيابين التاليين اللذين قد يحوي آخرهما على النِهايةِ التي سيشّرفها إنهائي .. على كلٍّ يا أوباما أنا لا أٌبالي بعدد المرايا التي وضعتها أمامي لأنَّ العدد الأخير من التجاعيد الذي ظهرَ على وجهي أثناء شيخوخةٍ مُبكّررة ليسَ مُثيراً البتّة وتبدو رؤيته من بعيد إستسلاماً للواقع الجميل لكنّني لستُ مِمّن يستسلم فحتّى الآن لم تفلح موضة بلدك التي تعصر عالمنا عصراً في مُجاراتي لأنّي لا أعرفُ شيئاً في الموضة ولا أدري متى اشتريتُ آخر قميص جديد .. في الحقيقة لا أشعر برغبةٍ في تغيير نمطيّة ملابسي لأنّها لا زالت تُناسبني وإن قصُرت حتّى كاحِلي وضاقَت حتّى تمزّقت .. قد لا يكون هذا بِسبب وزني الذي يزيد بِجنون معَ كلّ مشروب غازيّ أو وجبة برجر كينج دسمة وإنّما بِسبب الخيوط الرديئة التي حِيكت بِها جميع ملابِسي .. نعلمُ أنَّ مصاِنعكم تبذل وسعها في حلّ مشكلة الخيوط هذهِ وذلك بإستيراد الملابِس المُحاكّة مُسبقاً بِماكينات هنديّة وبأيادي عملٍ يابانيّة لكنّها تُجدي نفعاً على الأقلّ في إستخدامها كفوطةٍ جديدة مثلاً .. أتعلمُ أوباما .. أنا مسرورٌ حقّاً لأنّك أسمر .. رأيت في حياتي ما يكفي من أصحاب البشرة السّمراء وهم يُهانون ويُشتمون دونَ أن يحِمِلوا ببراءةٍ فرشاة التلوين التي سبّبت لعنات كثيرة لهم لأنّهم لم يلوّنوا أنفسهم بلِ الله فعل .. حسناً لا أُريد أن أُناقِشَ الله الآن في الأسباب التي جعلته يخلقهم هكذا لأنّه حتماً له أسبابه المُقنعة والتي ستُريحني أنا بالأخصّ لأنني أُجادِله كثيراً لكنّني حتماً مسرورة لأنّك أسمر .. كنتُ أودُّ أن أرى وجوه كلّ العنصريين في لحظةِ تعيينك رئيساً لكنَّ ذلك فاتني فقد كنتُ مشغولة حتماً بإثارةِ المتاعب في إحدى فصول مدرستي السابِقة لكنَّ شوارِبهم حتماً ألتويت حينَ رفعتَ يدك شاكراً المُهنّئِين لك .. حسناً أوباما لا أعرفُ لِمَ عليكَ أن ترتدتي البدلة في حين تبدو وسيماً بالقميص الأخضر قصير الكمّ والذي رأيتك بعيني مُتألّقاً به .. نعم رأيتك بعيني هل تصدّق ذلك؟ أنا البعيدة عنك في دولة قد لا تعلم أنَّ الفقراء فِيها ضِعف الإغنياء وأنَّ الأمان فِيها كِذبةٌ قانونيّة .. أجل صديقي أجل رأيتك بعيني لأنَّ ذلِكَ كان في صورةٍ وضعتها إحدى الجرائد لتُبيّن لنا كيف أنّ الحكّام متواضِعون لِدرجةِ أنّهم يلعبون البسيبول بِسعادة معَ العديد مِن أصحاب المليارات .. أذكر أنّي حِينَ رأيتُ تِلكَ الصورة تذكّرت عِطر صديقتي الأخير الذي أهدتني إيّاه وكانت رائِحته تماماً كبُرازِ الكلب .. كانَ عليَّ أن أضعه على أيّةِ حال لأنَّ على رائِحتكَ أن تكون مٌحدّدة لأنَّ الحِيادَ فيها ممنوع في عالمٍ يتنافس على قوّة رائحة عطوره التي مهمّا أجتهِدَ في صنعها لن تتعدّدى رائِحة السماد الطريّ .. أو هكذا أشمّها على أيّةِ حال وقد يكون الخلل في أنفي التي أعتقد أنَّ الترابّ والهواء الملوّث أرهقاها حتّى باتت تشمّ مالا يُعجبها فقط .

الثلاثاء، 15 يوليو 2014

البَعث .


هُناك فرقٌ حينَ تدفعك مشاعرك لِلكِتابة .. أو حين تلبّي ذلك إستجابةً للرّوتين أو تمضيةً للوقت .. لأنَّ السبب الأوّل يضمن لكَ الصِدق فيما تكتب بينما قد يلوّث الثاني نواياكَ قليلاً .. ارتكبتُ جرم الكِتابةِ الرّوتينيّة زماناً وكانَ ما كتبتُ فِيها أبشع ما يُمكن أن يُقرأ .. أعي أنَّ الندمَ لا يُعيد شيئاً لكنّي نادِمةٌ حقّاً على بعض ممّا كتبت الأشهرَ الماضيّة .. الكلمةُ التي لا تصدر مِن قلبك لا تستحقّ أن تُكتب .. بل يجب أن تتوبَ عنها كيلا تحمّلك اللغة وِزرها الثقيل الذي سيعلّق يداكَ فِي المِشنقةِ زمناً لا تعرفُ متى ستُعفيكَ اللغة عنه .. اللغةُ كَكّل الأديان التي يُسبّبها الوحي ويستوجب إحترامها على الأقلّ إن لم يُستطع تقديسها .. ليتها تهدأ قليلاً لِتمنحنا جميعاً فرصةَ للإعتذار .
وأنت .. عيبٌ أّلا يُلحِقكَ الجميع فِي كتاباتِهم لتتطهّر وتتجمّل .. بل ولِتحوّلها لِكائنٍ وديع عِوضاً عن رغبةِ الكاتِب الذي أرادها مُفترِسة .. ولأنني أُحبُّ الجمال فلن يفوتني أن أجعل ما أكتبُ متمحوِراً حولك وحول وجودِكَ البَعيد الذي لا يكفّ عن تطهيري .. تُطهِّرَني مِنَ الدَنس كرِحلةِ الحجِّ الأولى .. وتمنحني شرفَ أن أخرِجَ مِن بطنِ أمّي مرّتين .. بل وتزيدني شرفاً حينَ تؤّذِّنُ في أذني لتمنحني الأمانَ الذي لن يُنتهَك مهما تطاولت الحياةُ عليّ .. قربكَ الذي وجَدَ له مكاناً في دمي مُحالٌ أن يقِلَّ وإن اجتمع الكونُ على أن يمنعوه .. صِرتَ كُلّي .. والفِكرةُ التي لا مناصَ مِنها في يومي .. بل أراكَ تتحرّك في قلبي كطفلٍ غزاويّ فرِحٍ بتحرّر وطنِه .. أراكَ ترى إليَّ مِن كُلِّ الأبعادِ حولي .. بل طمِعتَ وصارَ فيكَ شيءٌ مِن كُلِّ ما اؤمنُ بِه .. أباً وأخاً وإبناً وحبيباً وصديقاً .. وإن اختفى العالمُ حولي لن أفتقده لأنّك العالمُ وإنِ تلاشى العالم .. القربُ المُستحيل لم يمنع أن أتوِّجكَ قدّيساً لي .. بل لن يمنعَ قدسيّتك بِداخِلي حتّى جميع الأوثان في العالم الذي نستنشِقهُ معاً .. حطِّم الأصنامَ واتركني أقفُ بِمُفردي فِي قلبك دونَ حراكٍ وبعينانِ حجريّتان .. ثُمَّ مرّر يداك أمامَ عيني لأستيقِظَ وأولدُ بشراً سويّا كُلّ اهتمامِهِ مُنصبٌ عليك .. السماءُ التي مكّنت قلوبنا مِن بعضِنا قد تتمرّد ولا يعجبها أن يسعَد أحدٌ تحتها كما نسعدُ نحن .. لكنّها ستتجمّد حينَ ترى الإلتحام الروحيّ الأوّل حينُ سيُقرر القدر –حتماً- أن يُكرِّمنا بِه .. قد تغارُ علينا وتحترِق .. لكنّه سيكون احتراقاً مُباركاً لأنّكَ ضَمن أسبابِه .


الأحد، 15 يونيو 2014

أبي .


تخطّيتُ الآن الدقيقة الخامسة مِن سكوني أمام الحاسوب .. جامدةً كأيِّ عاطلٍ يُحاولُ أن يُوجِدَ قضيّة .. واخترت أن يكونَ قضيّتي هذا المساء : أبي .
كنتُ دائِماً أرفض فِكرة إتّخاذ قدوة أو "نقطة مرجعيّة" إلى أن أدركتُ جمالَ هذا الكائن الذي ربّاني 19 عشر سنة .. في كُلِّ سنةٍ مِن هذه السنوات يفتحُ لي نافذةً لا تُغلقها الريّح أبداً .. يضعُ بصمته الخالِدة على كُلِّ لحظةٍ أعيشها حتّى أصبحَ دستوراً فكرّياً أتلذذُ بتحليله .
لن أُحصي الدروسَ التي تعلّمتها مِنه لأنّها لا تُحصى .. ورغم ذلك فإنّها حاضِرة في كُلِّ تصرّفٍ أقوم بِه .. وتضمن لي عدم الوقوع في الحماقة .
بإمكاني الإعتراف بأنَّ أبي عبقريّ .. وأنَّ أغلبَ الحلول التي ساعدتني على تخطّي مشاكلي كانَ هوَ المُلهمَ الأوّل لها .. وبأنَّ أيّاً من تصرّفاتهِ لم تُزعجني أبداً .. أُحبُّ كُلَّ ما يقومُ بِه وحتّى عِند تذمّري في البدايّة من أيِّ تصرّف أو كلمةٍ يقولها إلا أنني بتفكيرٍ عميقٍ أُدرك أنّها جاءت في المكان والوقت الصحيح .
كثيراً ما رفضتُ إحتماليّة أن يكونَ الإنسانُ كامِلاً .. لكنَّ أبي .. حتّى الآن كامِلٌ بشكلٍ مُذهل يجعلني أغبطه .. لم أرى قط هذا الرجل العظيم يُخطئ في أيِّ من تصرّفاته .. دون أن يحمِل حُكمي هذا عليهِ أيَّ تأثيرٍ كوني إبنته .. لأنَّ ذاتيَ العُليا الناقِدة التي تؤنّبني كثيراً لم تؤنّبه أبداً على شيء .. ولا حتّى مرّةً واحِدة .
كُل هذه السنوات جعلت أبي نُقطةً مرجعيّةً لِي .. لديهِ كُل ما أتمّنى .. وكُل ما أودُّ الوصولَ إليه .. إضافةً لِبعض الزيادات كأن أؤلّف كِتابيَ الأوّل .
كما جعلت كُل هذه السنين أبي إكسيراً لِحياتي .. صِرتُ أخافُ حتّى مِن تخيّل فقدهِ .. إذ أنَّ خيالاً واحداً يجعل أنفاسي مُلتهبة .. وهذا كفيلٌ بِجعلي أتيقّن أنَّ فقده قد يقودني لِواحدٍ من اثنان : الجنون أو الموت .
ها أنا ذا أتوقّفُ عنِ الكِتابةِ مُجدداً .. لا أُجيدُ صياغةَ العِبارات التي تستطيعُ أن تُعبّر عن ما أودُ كتابته .. في حضرتهِ يُغتالُ الوصفُ إلى لحظاتِ صمتٍ ذات معنى أعمق .