الاثنين، 14 مارس 2016

على خيبتك؟


ها أنتِ الآن .. بعد مخاضٍ ظنَّ المُتحرِشان أنَّه سكتتكِ الأخيرة، تهربين من مشفاك الذي لوَّثَ عروقكِ بمُخدِّرٍ مُخادع تسرَّب لدماغٍ مُحاصر في نفسه، لُيراودهُ عن الحقيقةِ يوماً آخر .. تنزعين ثوبك الأبيض الذي ساهمت شركة نيدو في صنعه والمراعي لتزيينه بصورة بقرة مُستنسخه. تركضين لا يُخفّف سرعتك سوى ألم قدمك اليسرى، تركضين عودةً للواقع .. عودةً لقولِ الحقِّ مرةً أولى، للنقاش أوهمتك أدوية المشفى أنَّ موعدهُ فات.
ها هي تنتظركِ هُناك .. مُرتديَّةً ثوبها البنيّ الذي لطالما أراحكِ من "مطبّقة" الوادي وتاج أسود يعيد للخلف شعرها المُتطاير، ليست في أفضل حال ممّا تركتها آخر مرة لكنكِ تعلمين أنَّ ذلك لا يهم، فأنتِ هُنا الآن لتبعدي عنها كل خطرٍ "صباحيّ". تنظر إليك بعينيها العسليتين بحبٍّ وشغف لتلفَّ روحها بجسدكِ الهارب. تقتربين منها كطفلٍ يُوشك أن يُوبَّخ، لكن ما أن تُلامِسَ يدها جسدك حتّى تشعرين بها ترقص بِداخلك، تُحوِّلً عينيك في كل اتجاه وتتحمّل مسؤولية التلويح بيديكِ للمشفى الذي لن يسعهُ ماضيكِ. تنتزعينها مِنكِ ليحظى اللقاء بقداسته المُستحِقَّة، تلفينها رغماً عن السموم التي تملأ عروقك .. وكل الإخفاقات والأكاذيب التي رُميت فيكِ كمن يُفخّخ دون مسؤولية قنبلة في حارةٍ مُكتظَّة. تُمسكينَ يديها بشدة حتى تكاد تغرق في ثنايا كفَّيكِ وتتّجهين، عاريةً، نحو منزلكِ، نحو الساعة السابعة صباحاً في شتاءٍ يسبق التحاقكِ بالمدرسة.

-

تُدركين الآن، وأنتِ تلفّين الخيبة في حقيبة ترمينها على كتفك، أنَّ هذه الذكرى لن تُحمل على كتفكِ وحده، بل على كتفكِ الأخرى كذلك، حين ألحَّت عليكِ مُقاسمتها كل أثقالك. تبتعدين والأنين الصادر من طفلتكِ لا يُفلتُ منكِ، يغزو أحشائكِ كسرطانٍ لعين، يُعييكِ ويُضعفكِ. تعلمين أنَّ جسدك لن يُقاوِمَ دقيقةً أخرى .. لكنّكِ لا تكفّين عن السير، حتى هذه الدقيقة الأخيرة تستفزّكِ بمدَّتها القصيرة، حتى هي، ككل الدقائق، تستهلك أناكِ وتُضعفها، لكنّك لا تكفّين عن تحريك قدميك، ولا تفهمين لِما تبدو الدقيقة الآن كيوم آخر لعين رغم إخفاقك. خطوةً أخرى، وتودَّعين أناكِ ذات الخمس سنين وتستسلمين لإغراء المستقبل القريب بأن يأخذكِ إلى أبعد ممّا وصلتِ، إلى خيبةٍ أخرى .. أو ربَّما .. تحرّش آخر.








21\20\2000