الأحد، 14 سبتمبر 2014

لا..في وجهِ الموت.


القوّة التي لا يُخطِئها فؤادك هيَ التي تنتشلك مِن سُباتِك كإنفجارٍ ضاقَ ذرعاً بِسكونك، القوّة التي تمسحُ رواسِبك بيدِها المُتشقّقِة، وتُلقيكَ في وجهِ اللحظةِ..لتعيشها بِكُلِّ ما اوتيتَ مِن حياة .
لا أعلم مِن أيِّ مخزونٍ تأتيني لحظاتُ قوَّةٍ كهذه..لكنّها تأتي في الوقتِ المُناسب، الوقت الذي لا تُفلحُ فيهِ أيُّ يدٍ غيرها في إنتشالي..قوّةٌ مِن روحِ اللهِ التي نَفَثَ الحظِ العظيم فِيها لِتقعَ على فؤادي وتُلقيني للسّماء التي أعودُ مِنها بِلا خوفٍ ولا ضعف..القوّةُ التي تجعلك قادِراً على فضحِ جنونك ولو بِجعلِكَ تقِفُ أمام الجميع وتخلعُ أقنعتك..القوّةُ التي تجعلك تقف رُغمَ إسقاطِ العالم لك..القوّة التي تمسكُ يدك حِينَ يتخلّى الجميع عنك..لحظةٌ تستحقّ منحك وقتك وطاقتك لها..ولحظةُ تقولُ لا في وجهِ الحياة حِين يقولُ لكَ الموتُ نعم..لحظةٌ تزوّدك أكثرَ ممّا تحتاج لإكمال الطريق..لحظةٌ تجعلك تحسمُ مصيرَ جميعِ المهمامّ التي أجّلتها..لحظةٌ تُحرّرك وتجعلك أنقى مِن أيِّ وقتٍ عرفتَ فيهِ نفسك..لحظةٌ تخبرك أنّك "تستحقّ" وإن رَماكَ الجميعُ وأغلقوا أبوابهم..تستحقُّ خطوةً إضافيّة على هذه الأرض وتستحقّ النَفَسَ التّالي..لحظةٌ أُحيَت لكَ مِن رحمِ القوّة لتقولَ لكَ بالنّبرةِ الواضِحةِ أنَّ لا وجودَ لأيِّ عقبةٍ لا يُمكنك تخطّيها..قدراتك الخفيّة مُصمّمة لتخطيّ كُل ما تملكهُ العقبات لإعاقتك..وحِينَ تمتدُّ يد الضعفِ إليكَ مُجدداً..إقطعها:)

اشعر بِنفسك تحيا في كُلِّ الأزمنةِ والأماكِن باختلافِ ظروفها .. هكذا تقهرُ ضعفك .
مُلاحظة: تخلّلَ كِتابة هذا النص الكثيرَ مِنَ الرّقص .

الاثنين، 8 سبتمبر 2014

سِحرُ ماركيز


لستُ قارِئةً مُجتهِدة، لهذا أُقدِّرُ جميعَ الكتبِ التي أُنهيها لأنّها قد تكون الأخيرةَ بعدَ عودةٍ مُستحيلة .. أتذكّرها جيداً كمن يتذكّر فقيدهُ الأخير الذي دُفِنَ في ساحةٍ خضراء، لِكُلِّ كِتابٍ ساحة .. تتباينُ درجاتُ الخضرةِ فيها لكن جميعها تملِكُ نفسَ اللحن الذي يُدركُ المارّونَ خِلالها أنّهُ مِنها، أمّا بِالنسبةِ لي .. فإنَّ الكتاب الذي اختارَ أن يُدخِلَ الخضرةَ في قلبي على أن يُدفنَ فِيها جاعلاً إيّاه حيّاً بي ومني هو رواية مائة عامٍ مِنَ العزلة .. تغلغلت ألحانُ هذه الرواية إلى صدري كما لم تفعل مقطوعةٌ قط، أسرتني للحدِّ الذي جاهدتُ فِيهِ لِكيلا أُنهيها .. كمن يصبُر عن بلوغِ نِهايةِ النّشوة ويُحاوِلُ مُحمرَّ الوجنتين ألّا تنتهي تِلكَ الحظة التي تسبقُ الإكتفاء، وقد بلغَ صبري على التمّهلِ فِيها شهراً كامِلاً رغم قدرتي على إنهائِها في أسبوع .. تسحرُ الأفئِدةَ كما لم تفعل عصاً سِحريّة من قبل .. قربيةٌ مِنكَ للحدِّ الذي تظنِها قِصّتك .. تُعلِّق شخوصها في مُقلتيك حتّى يُثيرُ بؤسَكَ موتُ إحداها .. لن تنجح قط في إقناعِ نفسِكَ أنّها أحداثٌ وشخوصٌ مُتخيّلة رُغمَ خروج الأحداث فيها عن نِطاقِ عالمِك .
بعدَ إنهائي لها تأّوّهتُ كمن أنهى لتوِّهِ قراءةَ رسالةِ مِن عاشِقهِ .. تمنّيتُ لو منحني الحظُّ فرصةً لأسكنَ يوماً واحِداً في عالمِ ماركيز الذي لا يعرِفُ حدوداً .. كنتُ سأعِدهُ أن أكونَ مُواطِناً صالِحاً كيلا يُفنيني مِن عالمِه الذي لن تتّسع لهُ حواسّي لعمقهِ الشّديد .. عالمٌ مليءٌ بالإحتمالاتِ اللامُنتهية ورائِحة السّحر الجميل التي تُحرّكها الفوضى وقلبُ ماركيز الرّقيق .. دافئٌ كالثّوبِ الأول الذي حاكته يد أمّك لَك .. عذبٌ كمشيتكَ الأولى وأنت تُحاوِل تخطّي العائِق الأوّل فتسقط .. بريءٌ كطفلٍ يطلبُ مُسدّسكَ ظناً مِنهُ أنّه لعبة.
شُكراً ماركيز .. شُكراً بحجمِ جميعِ الحدودِ التي أسقطتها عن خيالِنا الذي تعفَّنَ مِن عالمٍ رحلتَ عنه .. شكراً أيّها الغالي جداً على الكلِمات .. المجدُ لكَ أيّها الأبديّ .

الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

إنصافٌ مُصغّر لِلكتابة


لستُ مُتأكّدة إن كنتُ أودّ كِتابة شيء مُعيّن الآن، لكن سأكتب لِغرض الكِتابة ليسَ إلّا .. وهذا وحدهُ هدفٌ نبيل قذر .. يصنعُ نُبلهُ مِن قذارته. على كُلٍّ أظنُّ أنَّ الكِتابة امرأةٌ عجوز تمرُّ عليها أيّامُ العنفوان أحياناً، جالِسة بِثوبها الطّويل ذو الشّقِّ العالي الذي يكشفُ عن ساقِها مملوءة الشّعر، تُمسك بإبرةِ الحِياكةِ التي تطعن إصبعها كثيراً دون عمد .. لا تتذمّر، فقط تمنح الإبرة حقّها في إرتكاب الأخطاء وتبتسم حِين تُبالِغ في سكبِ دمِها، عيناها الغائِرتين تأسرانِ النّظارة التي مضى على انكسارها شهران، تُغريهِا لتجعل العالم في مُقلتيها أدقّ، بينما يأسرُ صوتها آلةَ العودِ المُعطّلة التي تُحيّيها دائِماً بعزفِ مقطوعاتٍ تستفيقُ لها الأزهارَ في شُرفتِها حِينَ تُقرّرُ أن تُغنّي، لكِنَّ الثّوب..الثّوبَ الذي تحكيهِ وحدهُ مَن يتمنّى ألّا تفرغَ مِنهُ كيلا تفوتهُ نعومةُ كفّيها وهيَ تتحسّسه..وحدهُ مَن يتمنّى لو يُصيّرُ جِلداً لِيحظى بِشرفِ رؤيةِ السّرِ الكامِن في مفاتنها التي لم تذبل رغم شِيبِ الزّمان..بينما يُغري شعرها الأبيض المُنسدِل على كفّيها النَّسيمَ ليمُرَّ عليه .
إنّها الكِتابةُ التي تُغري كُلَّ شيء، الكِتابةُ التي تتحدّى القدر بِجعلها عجوزاً تفوتها بعض القفزات..أحمق حقاً..لا يعلمُ أنَّ روحها أبديّةُ الشّبابِ لن تذبل أبداً ولن يُصيبها عَجز..لم يعلم أنّها تفوّقت عليهِ حِينَ منحت أبنائها حقَّ معرفتهم لها ما منحها ديمومةً لا ينفلِتُ خيطها مِنَ الوجود، سهلةٌ مُدهِشة .. تتغلَّبُ على الجميعِ في اللحظةِ التي يظنّونَ أنّهم تغلّبوا عليها .. تفتحُ أبوابها في لحظةِ تسبقُ اليأسَ مِنها .. قريبةً حتّى ممّن يدّعي بعدهُ عنها.. تمُدّ كفّيها لكَ مهما شتمتها واتهمتها .
مجدٌ لا يموت .

الخميس، 7 أغسطس 2014

تدوينة لكلّ الصباحات المُتكرّرة .


نهضتُ اليوم مُبّكراً .. أو بالأصحّ لم أنم بعد .. فاتني أن أنام منذ ما يزيد على يومٍ كامِل .. والوضعُ الآن لا يسمح أن ألبّي النِداء الحيوانيّ الذي يدعوني للنوم .. وأقولُ عنه حيوانيّ لأنّنا حتّى الآن لا نعرِفُ كاِئناً غير الحيوان ينام مِثلنا .. قد توجد كائِنات فضائيّة بعيدة جداً لكن سيبدو ذِكرها الآن تكبّراً لأنني لا أعرف عنها شيئاً سِوى أنّها خياليّة وقد تكون على العموم أجهزة تجسّس أمريكية لتكتشف ما يفعله العُمانيّون كلّ صباح .. على كلٍّ أنا لا أدعو أوباما أن يأمرها بِمراقبتي لأنَّ ذلك قد يجعله ييأس من حياته أكثر حِين يرى أنَّ مخلوقاً مِثله لا ينتهز الفرص المُمكنة والتي لا يقوم هوَ أيضاً بإنتهازها .. لا تقلق أوباما أنا أيضاً أسوّف الإنصياع لها ولا أدري متى كانت آخر مرّة شعرتُ فِيها بأنَّ واجبي كإنسان مُبصِر أن أفتح كل الأبواب الغير مُغلقة أمامي .. ولا أظنّ كذلك أنَّ آخر باب دخلته أعجبني ما بداخله لكن لا أشعر أنَّ الباب التالي يُغريني بِالقدرِ الكافي الذي سيجعلني أنهض مِن مكاني لفتحه .. لا أجيد حقّاً النهوض مِن مكاني لأنّي مع كلّ نهوض أكسر عظمةُ مِن ظهري وهذا أمرٌ مُرهقٌ حقّاً إذ لم يتبقّى لي من العظام الصحيحة سِوى إثنان سأكسرهما قريباً أثناء فتحي للبيابين التاليين اللذين قد يحوي آخرهما على النِهايةِ التي سيشّرفها إنهائي .. على كلٍّ يا أوباما أنا لا أٌبالي بعدد المرايا التي وضعتها أمامي لأنَّ العدد الأخير من التجاعيد الذي ظهرَ على وجهي أثناء شيخوخةٍ مُبكّررة ليسَ مُثيراً البتّة وتبدو رؤيته من بعيد إستسلاماً للواقع الجميل لكنّني لستُ مِمّن يستسلم فحتّى الآن لم تفلح موضة بلدك التي تعصر عالمنا عصراً في مُجاراتي لأنّي لا أعرفُ شيئاً في الموضة ولا أدري متى اشتريتُ آخر قميص جديد .. في الحقيقة لا أشعر برغبةٍ في تغيير نمطيّة ملابسي لأنّها لا زالت تُناسبني وإن قصُرت حتّى كاحِلي وضاقَت حتّى تمزّقت .. قد لا يكون هذا بِسبب وزني الذي يزيد بِجنون معَ كلّ مشروب غازيّ أو وجبة برجر كينج دسمة وإنّما بِسبب الخيوط الرديئة التي حِيكت بِها جميع ملابِسي .. نعلمُ أنَّ مصاِنعكم تبذل وسعها في حلّ مشكلة الخيوط هذهِ وذلك بإستيراد الملابِس المُحاكّة مُسبقاً بِماكينات هنديّة وبأيادي عملٍ يابانيّة لكنّها تُجدي نفعاً على الأقلّ في إستخدامها كفوطةٍ جديدة مثلاً .. أتعلمُ أوباما .. أنا مسرورٌ حقّاً لأنّك أسمر .. رأيت في حياتي ما يكفي من أصحاب البشرة السّمراء وهم يُهانون ويُشتمون دونَ أن يحِمِلوا ببراءةٍ فرشاة التلوين التي سبّبت لعنات كثيرة لهم لأنّهم لم يلوّنوا أنفسهم بلِ الله فعل .. حسناً لا أُريد أن أُناقِشَ الله الآن في الأسباب التي جعلته يخلقهم هكذا لأنّه حتماً له أسبابه المُقنعة والتي ستُريحني أنا بالأخصّ لأنني أُجادِله كثيراً لكنّني حتماً مسرورة لأنّك أسمر .. كنتُ أودُّ أن أرى وجوه كلّ العنصريين في لحظةِ تعيينك رئيساً لكنَّ ذلك فاتني فقد كنتُ مشغولة حتماً بإثارةِ المتاعب في إحدى فصول مدرستي السابِقة لكنَّ شوارِبهم حتماً ألتويت حينَ رفعتَ يدك شاكراً المُهنّئِين لك .. حسناً أوباما لا أعرفُ لِمَ عليكَ أن ترتدتي البدلة في حين تبدو وسيماً بالقميص الأخضر قصير الكمّ والذي رأيتك بعيني مُتألّقاً به .. نعم رأيتك بعيني هل تصدّق ذلك؟ أنا البعيدة عنك في دولة قد لا تعلم أنَّ الفقراء فِيها ضِعف الإغنياء وأنَّ الأمان فِيها كِذبةٌ قانونيّة .. أجل صديقي أجل رأيتك بعيني لأنَّ ذلِكَ كان في صورةٍ وضعتها إحدى الجرائد لتُبيّن لنا كيف أنّ الحكّام متواضِعون لِدرجةِ أنّهم يلعبون البسيبول بِسعادة معَ العديد مِن أصحاب المليارات .. أذكر أنّي حِينَ رأيتُ تِلكَ الصورة تذكّرت عِطر صديقتي الأخير الذي أهدتني إيّاه وكانت رائِحته تماماً كبُرازِ الكلب .. كانَ عليَّ أن أضعه على أيّةِ حال لأنَّ على رائِحتكَ أن تكون مٌحدّدة لأنَّ الحِيادَ فيها ممنوع في عالمٍ يتنافس على قوّة رائحة عطوره التي مهمّا أجتهِدَ في صنعها لن تتعدّدى رائِحة السماد الطريّ .. أو هكذا أشمّها على أيّةِ حال وقد يكون الخلل في أنفي التي أعتقد أنَّ الترابّ والهواء الملوّث أرهقاها حتّى باتت تشمّ مالا يُعجبها فقط .

الثلاثاء، 15 يوليو 2014

البَعث .


هُناك فرقٌ حينَ تدفعك مشاعرك لِلكِتابة .. أو حين تلبّي ذلك إستجابةً للرّوتين أو تمضيةً للوقت .. لأنَّ السبب الأوّل يضمن لكَ الصِدق فيما تكتب بينما قد يلوّث الثاني نواياكَ قليلاً .. ارتكبتُ جرم الكِتابةِ الرّوتينيّة زماناً وكانَ ما كتبتُ فِيها أبشع ما يُمكن أن يُقرأ .. أعي أنَّ الندمَ لا يُعيد شيئاً لكنّي نادِمةٌ حقّاً على بعض ممّا كتبت الأشهرَ الماضيّة .. الكلمةُ التي لا تصدر مِن قلبك لا تستحقّ أن تُكتب .. بل يجب أن تتوبَ عنها كيلا تحمّلك اللغة وِزرها الثقيل الذي سيعلّق يداكَ فِي المِشنقةِ زمناً لا تعرفُ متى ستُعفيكَ اللغة عنه .. اللغةُ كَكّل الأديان التي يُسبّبها الوحي ويستوجب إحترامها على الأقلّ إن لم يُستطع تقديسها .. ليتها تهدأ قليلاً لِتمنحنا جميعاً فرصةَ للإعتذار .
وأنت .. عيبٌ أّلا يُلحِقكَ الجميع فِي كتاباتِهم لتتطهّر وتتجمّل .. بل ولِتحوّلها لِكائنٍ وديع عِوضاً عن رغبةِ الكاتِب الذي أرادها مُفترِسة .. ولأنني أُحبُّ الجمال فلن يفوتني أن أجعل ما أكتبُ متمحوِراً حولك وحول وجودِكَ البَعيد الذي لا يكفّ عن تطهيري .. تُطهِّرَني مِنَ الدَنس كرِحلةِ الحجِّ الأولى .. وتمنحني شرفَ أن أخرِجَ مِن بطنِ أمّي مرّتين .. بل وتزيدني شرفاً حينَ تؤّذِّنُ في أذني لتمنحني الأمانَ الذي لن يُنتهَك مهما تطاولت الحياةُ عليّ .. قربكَ الذي وجَدَ له مكاناً في دمي مُحالٌ أن يقِلَّ وإن اجتمع الكونُ على أن يمنعوه .. صِرتَ كُلّي .. والفِكرةُ التي لا مناصَ مِنها في يومي .. بل أراكَ تتحرّك في قلبي كطفلٍ غزاويّ فرِحٍ بتحرّر وطنِه .. أراكَ ترى إليَّ مِن كُلِّ الأبعادِ حولي .. بل طمِعتَ وصارَ فيكَ شيءٌ مِن كُلِّ ما اؤمنُ بِه .. أباً وأخاً وإبناً وحبيباً وصديقاً .. وإن اختفى العالمُ حولي لن أفتقده لأنّك العالمُ وإنِ تلاشى العالم .. القربُ المُستحيل لم يمنع أن أتوِّجكَ قدّيساً لي .. بل لن يمنعَ قدسيّتك بِداخِلي حتّى جميع الأوثان في العالم الذي نستنشِقهُ معاً .. حطِّم الأصنامَ واتركني أقفُ بِمُفردي فِي قلبك دونَ حراكٍ وبعينانِ حجريّتان .. ثُمَّ مرّر يداك أمامَ عيني لأستيقِظَ وأولدُ بشراً سويّا كُلّ اهتمامِهِ مُنصبٌ عليك .. السماءُ التي مكّنت قلوبنا مِن بعضِنا قد تتمرّد ولا يعجبها أن يسعَد أحدٌ تحتها كما نسعدُ نحن .. لكنّها ستتجمّد حينَ ترى الإلتحام الروحيّ الأوّل حينُ سيُقرر القدر –حتماً- أن يُكرِّمنا بِه .. قد تغارُ علينا وتحترِق .. لكنّه سيكون احتراقاً مُباركاً لأنّكَ ضَمن أسبابِه .


الأحد، 15 يونيو 2014

أبي .


تخطّيتُ الآن الدقيقة الخامسة مِن سكوني أمام الحاسوب .. جامدةً كأيِّ عاطلٍ يُحاولُ أن يُوجِدَ قضيّة .. واخترت أن يكونَ قضيّتي هذا المساء : أبي .
كنتُ دائِماً أرفض فِكرة إتّخاذ قدوة أو "نقطة مرجعيّة" إلى أن أدركتُ جمالَ هذا الكائن الذي ربّاني 19 عشر سنة .. في كُلِّ سنةٍ مِن هذه السنوات يفتحُ لي نافذةً لا تُغلقها الريّح أبداً .. يضعُ بصمته الخالِدة على كُلِّ لحظةٍ أعيشها حتّى أصبحَ دستوراً فكرّياً أتلذذُ بتحليله .
لن أُحصي الدروسَ التي تعلّمتها مِنه لأنّها لا تُحصى .. ورغم ذلك فإنّها حاضِرة في كُلِّ تصرّفٍ أقوم بِه .. وتضمن لي عدم الوقوع في الحماقة .
بإمكاني الإعتراف بأنَّ أبي عبقريّ .. وأنَّ أغلبَ الحلول التي ساعدتني على تخطّي مشاكلي كانَ هوَ المُلهمَ الأوّل لها .. وبأنَّ أيّاً من تصرّفاتهِ لم تُزعجني أبداً .. أُحبُّ كُلَّ ما يقومُ بِه وحتّى عِند تذمّري في البدايّة من أيِّ تصرّف أو كلمةٍ يقولها إلا أنني بتفكيرٍ عميقٍ أُدرك أنّها جاءت في المكان والوقت الصحيح .
كثيراً ما رفضتُ إحتماليّة أن يكونَ الإنسانُ كامِلاً .. لكنَّ أبي .. حتّى الآن كامِلٌ بشكلٍ مُذهل يجعلني أغبطه .. لم أرى قط هذا الرجل العظيم يُخطئ في أيِّ من تصرّفاته .. دون أن يحمِل حُكمي هذا عليهِ أيَّ تأثيرٍ كوني إبنته .. لأنَّ ذاتيَ العُليا الناقِدة التي تؤنّبني كثيراً لم تؤنّبه أبداً على شيء .. ولا حتّى مرّةً واحِدة .
كُل هذه السنوات جعلت أبي نُقطةً مرجعيّةً لِي .. لديهِ كُل ما أتمّنى .. وكُل ما أودُّ الوصولَ إليه .. إضافةً لِبعض الزيادات كأن أؤلّف كِتابيَ الأوّل .
كما جعلت كُل هذه السنين أبي إكسيراً لِحياتي .. صِرتُ أخافُ حتّى مِن تخيّل فقدهِ .. إذ أنَّ خيالاً واحداً يجعل أنفاسي مُلتهبة .. وهذا كفيلٌ بِجعلي أتيقّن أنَّ فقده قد يقودني لِواحدٍ من اثنان : الجنون أو الموت .
ها أنا ذا أتوقّفُ عنِ الكِتابةِ مُجدداً .. لا أُجيدُ صياغةَ العِبارات التي تستطيعُ أن تُعبّر عن ما أودُ كتابته .. في حضرتهِ يُغتالُ الوصفُ إلى لحظاتِ صمتٍ ذات معنى أعمق .

الأحد، 18 مايو 2014

تمويه


الآن .. وبينما أضع اللابتوب على رِجليّ اللتان مددتهما على سريري . أظن أنني أبحث عن أيِّ عذرٍ لأنسلَّ من الكون . لأختفي بعذرٍ يقبله منّي الجميع ولأذهب كمن يحقُّ له الذهب دونَ أن يدفع شيئاً .
سئِمتُ من قائمة المهامّ التي يجب عليَّ القيام بها غصباً .. سئمتُ حتّى من الكتابة لأنني أعلم أنَّ جزءاً مني يُجبرني عليها .. سئمتُ من كُل شيء وكل أحد لأنني أعلم أنني لست مُخيّرة في شيء .. أُدخلت هنا وأُجبرت على التأقلم وأوهمت نفسي بأنني تأقلمت لكن في لحظةٍ حقيقية كهذه أُدرك أنني لم أكن سِوى خادِعة ومخدوعة . الكون يقتصّ مني . ولا أُجيد الإقتقاص منه . يسبقني بخطوة .. دائماً .. حتّى أكثر خطواتي ذكاءاً يتغلّب عليّ فيها ..حتّى حين أُوهمه بأنني اتّجهت إلى اليسار ثُم أُغير طريقي لليمين أجده في اليسار لأنه يعلم أنني لم أقصد إيهامه وبأنَّ الإتجاهات اختلطت عليّ . يتظاهر بأنّه لا يملك عقلاً ولا قلباً لكنّه العبقريّ الأوّل فينا وذا القلب الأكثر رهافةً. حسناً.. سيجعل شعوري باللاجدوى من كتابتي يتفاقم في الأيّام القادمة وسينجح لأنني أشعر بأنَّ حتّى هذه الكلمات لا تهمّني . لا أعرف لماذا أكتب. لا أعرف لماذا أعيش. لا أعرف شيئاً يستحقّ أن أقاوم لأجله لعنة الحياة ولا أعرفُ أحداً بإمكانه أن يقول لي "شكراً" في نهاية اليوم .. شكراً لأنني تحمّلتُ يوماً آخر على هذه الأرض .ولا أعرف شخصاً بغيضاً يستطيع أن يقول لي شكراً لأنّك تحمّلتِ التحدث إلي ولا حتّى كتاباً مُملاً يقول شكراً لأنّك أنهيتِ قِرائتي .. كلّهم لا يشعرون بما أودّ أن يشعروا به .. كلّهم يعيشون إلّا أنا أعيش على رعبي منهم وهو عيشٌ ليسَ كالعيش .
لا أعلم حقّاً ماذا أقول .. سِوى أنني أعيش يوماً آخر أُدرك فيهِ حماقتي . كيف جِئت هُنا ؟ لم لا يُمكنني أن أعتاد على هذه المهزلة كما يعتاد عليها الآخرون ؟ لم يجب عليّ أن أُركّز في كل شي وأن أهتم بأدقّ التفاصيل حتّى تلك التي تستفزّني؟ لِم لم أستطع إكمال تجاهلي لهذا لكون وجهلي العقيم بهّ ! يا إلهي ماذا أكتب الآن .. لِمن أكتب! أكتب للمخفيّ الجالس أمامي الذي يُراقبني دون أن يستطيع كتم ضحكاته .. يا إلهي إنّه يضحك وأحسّ بالإحراج يتمكّن منّي ! الآن بدأ وجهي يحمرّ خجلاً والإحراج في مستوياته الأعلى دون أن يستطيع هذا الجالس أمامي أن يفهم أنّي مُحرجة بسببه .. قد لا يُوجد في هذه الغرفة غيرنا لكن بمجرد أن يضحك تافهٌ مخفيّ مثله على قضيّة تعني لي الكثير فإن ذلك كفيلٌ بجعلي أدفن رأسي في التراب . اللعين لا زال ينظر .. يا إلهي إنّي أتعفّن وبدأت تفوح منّي رائحة العطالة النتنة .لعينٌ يطلب منّي إسدال شعري لأُغريه .. أظنّ أنّه قد ملَّ من سماع أخبار الجانب العقليّ عنديّ ويُريد أن يتسلّى بالآخر الغرائزيّ الذي سيُشبعه ويجعله يعود غداً مرّة آخرى . لكنّ لا أُريده أن يعود لأنَّ شَعري أعجبه . هذا اللعين مُدنّس فهو فاشلٌ حتّى في تطهير أّذنيه حين يستمع إليّ . لعين ..أخبرته . أغرب عن وجهي لن أسعد بوجود أمثالك في نادي الطهارة هذا . أنا من يقرر كيف نصلّي هُنا . علينا أنَّ نصلّي بخشوع حين نستمع لشكوى الآخرين . ولا أحد يُجيد الخشوع لي حِين أشكو . تباً لهذه الحياة التي تحمل من المهزلة فوق ما أتحمّل .
رغم أنني أعلم بمدى سماجة ما أكتب وثقله على الكون إلّا أنّي أُقدّر نشره بسبب الأمل الذي يُشير لمدى سعيّ الكون للبحث عن حقيقته .. قد يكون فيما أكتب شيئاً من حقيقته ولو في عبارة واحدة أو في تعبيرٍ مُزدوج .. قد يجد هذا الكون ما يُمثّله هُنا .أعلم أنّه مُتغيّر . أعلم أنّك أيّها الكون .. تتلون وتتشكل مِثلنا تماماً .. غريبٌ ما قد ألقى عليك هذه اللعنة وألقيتها علينا لكنّها لم تنتهي منك .. ولن تنتهي حتّى تمشي بجورانا وترمي نفسك أوّلاً في هوّة العدم السحيق كجزائزة لك على تحمّلك الأوّل للعنة الغريب . عدم الثابت . والتمويه .

الثلاثاء، 13 مايو 2014

مو الوازر ؟


أنا حقّاً الآن .. لستُ مُستعدّة بمغامرة التحدّث إلى إنسيّ .. أريد أن أُكملَ تأمل الجّدار الذي أظنُّ أنَّ جنيّاً ما بداخله يُحاول إثارة إعجابي به .
بقدرِ ما تبدو هذه الفكرة ساذجة .. إلّا أن تحققها قد يُخيفني حتّى الموت . وقد أموتُ حتّى وأنا أُفكّر فيها .
فكرتُ اليوم .. لِمَ أُلقيت مسؤولية كهذه عليّ ؟ لمَ يجب إستخدامي لجعل الأرض تشعر بأنّها أرض .. لم يجب أن أصرخ ليسمع الكون صداه ؟ أو أن أبكي ليعرف القدرُ تأثيره ؟ أو أن أتذكّر الماضي ليرفع الزمن أنفه ؟ لم يجب عليّ أن أتحمّل عناء التحدّث لشخصٍ لا أودُّ التحدّث معه ؟ ولِم يجب أن أنام رغم أنَّي لا أشعر بالتعب ؟ ما الجدوى من كل هذا ؟
نوم .. صحو .. محاضرات .. نوم .. فيس بوك .. أكل .. شرب .. ثم ماذا ؟
أصعب ما يُمكن أن تُلعن بالعيش فيهِ هو أن تحيا بِلا رِسالة .. ليتنا وُلدنا ونحن نحمل رسائل تمنح حياتنا وزناً . عوضاً عن السقوط ألف مرّة لأجل إيجاد موضوع يستحق أن نكتب فيه . هذا الكون لا تنقصه القضايا .. إنّما الوعي .
أشعر أنَّ وعينا يتضائل كُلّما ازداد عمرنا .. لأنَّ عقلنا يُحشى بالقضايا التي تستحق ولا تستحق .. كل شيء تُخوض فيه وإن لم يكن ذا قيمة يُخزّنه عقلك ويُفكّر فيه دون إذنك . وهذا عِصيان يستحق أن تُفجر عقلك بسببه .
ميساء .. يجب ألا تنامي مُبكراً .
عيناي .. لا ترمشي سريعاً .
قريني .. كُفَّ عن مُداعبتي .



#أوه_يا_مال

لِقاءٌ كاملُ المعنى


حسناً .. في هذه اللحظة أتذكّر الخطّة التي قالها عدنان .. الإنسحاب ثم العودة .
نعم .. لتعيد تكوين نفسك عليك أن ترحل .. وإن قتلكَ الرحيل وأذابك .. لن يُذيب الرغبة فيك لإعادة لملمة ما سقط منك .
حديث اليوم مع القدّيسات .. أشعرني بالعجز.
كنتُ في حالة يستعصّي عليّ التركيز فيها .. ومعَ أهمّية المواضيع التي تحدّثنا عنها .. أدركتُ أنَّ عليَّ التركيز والتفكير بجديّة فيما أقول وما يُقال لي .. لكنّي لم أكن قادرة .. كنتُ أتأمّل الجدار الوحيد الفاصل بين وعيي و وعي من يُحدّثني .. وأتظاهر بأنّي غارقةٌ في التفكير بينما كنتُ غارقةً في تأمّل الهواء .
حتّى وأنا أمارس هواية النظر إلى اللاشيء .. أكون حريصةً ألا يعتقد الآخرون أنّي مجنونة .
في لحظةٍ ما من تِلك الجلسة التي تظاهرت فيها بأنّي أفهم ما يحصل لي، كنت أشعر وكأنني حجر..لأنّه كان ينبغي عليّ التفكير ولم أستطع . فشلتُ حتّى في مُحاولة إعادة تركيزي! كنت كمن يظنُّ أنّه يخبز دون أن يُشعل النار .
كنتُ حاضرةً .. معّهّنَّ .. بجسدي وعبائتي وحقيبتي وغِطاء رأسي .. لكنَّ تفكيري وقلبي كانا بعيداً حتّى استعصى عليَّ إيجادهما .
رغم أنني لم أكن أفهم لمَ تصرّفت كالسكارى .. إلا أنّي تمنيتُ لو أنَّ الحديث لا ينتهي .
تمنّيت أن تستمر الرفيقتان بالحديث وإن كان عقلي غير موجود وقلبي عاطلاً عن إيجاد شعورٍ ليشعر به . كنتُ أحاول إستيعاب أبسط العبارات وحينَ يزداد إرتيابي من حالتي أنظر بعينيها لأتأكّد بأنني حقاً أجلس على ذاك الكرسي الذي يبعد عنها بقليل .
أحسستُ أنني كحوجن الجنيّ الذي يظنَّ بأنَّ البشرَ لا يروه لكنَّ بعضهم قادر حقاً على رؤيته في مرحلةٍ ما .. حوجن إستطاع أن يُحبَّ إنسيّة وأنا لم أستطع حتّى أن أُحب الجني المماثل لي بداخلي .
حين ابتعدتُ عنهما شعرت بأنني أمشي في الهواء .. لستُ حقيقيّة . لا يُعقل أن تستمر صديقتي بالتحدّث معي رغم أنني لستُ أحداً . أكثر ما حرّكني في لحظةِ السكونِ تلك حقيقةَ أنني فعلاً مُرغمة على المشي على هذه الأرض .. مُرغمة على التحدّث مع زميلاتي في الدراسة لأُجاملهنَّ وأشعرهُنَّ بالسعادة . بينما لم يكن أحداً منهنَّ حقاً قادر على معرفة ما أُريد . سِوى المبعوثتين السماويّتين إليَّ اليوم التي سألتني إحداهما "وأنتي؟" .. سؤال دافئ رغم برودة الجوّ الذي سُئل فِيه .. أؤمن أنَّ لِقاءاً كلِقائنا اليوم كان مُقدراً له أن يحدث إذ لا يُعقل أن تأتي الصدفة وحدها بهذا الثلاثي الذي يفهم بعضه دون كلام .
ركبتُ الباص و حذفتُ جميع برامج التواصل فِيه .. لأنّي عرفتُ أنَّ كلمةً أخرى أقولها لأحدٍ ستكون شتيمة أو سأجهش فيها بالبكاء .. لهذا الحدَّ كان مِزاجي بائِس .
بائِسٌ لأنّ نفسي تغلّبت عليَّ في عدم رغبتها بالتفكير .. بائسٌ لأنَّ عقلي كان بعيداً جداً أثناء جلسةٍ انتظرتها كثيراً .. وبأئسٌ لأنني فشلتُ في التعبير عنّي ما يُعيدُ رعب أن أعود للعزلة كما كنتُ قبل سنوات .
أعلم أنني كنتُ سأُفهم اليوم لو ملكتُ في اللقاء عقلي وتمكّنتُ من التحدث برويّة .. لكنَّ كل ما كنتُ أحتاجه لحظتها ليُعبّر عنّي كانَ بعيداً جداً .. لم يُمديني حتّى الآن أن أراه .
كنتُ في مُنتصف المسافة بين البؤس ونهايتهِ قبل اللقاء .. وقبلَ أن يبلغ اللقاء نهايته .. كنتُ قد تخطّيت البؤس إلى مرحلةٍ لم أعلم فيها حتّى بما أشعر .. أو بمن أكون . وهذا أمرٌ إيجابيّ سعيدةٌ به رغم أنَّ ذلك قد لا يبدو واضحاً في ملامحي الآن .
إنَّ أكثر ما يُشعرني بأنني موزونة .. وبأنني ذات معنى في هذا الكون .. هو أمرٌ بسيط .. يكون بالجلوس مع هذه الكائنات .

شكراً .

+18


"لن يُنشر .. نصٌّ ركيك كهذا لن يُنشر" قُلتها وأنا أُمزق المحاولة الأخيرة في كتابة قصيدة .. بذلك التمزيق شعرتُ بأنّي في أمان لأنّي سأتجنّب فضيحة قصيدة فارغة كنتُ أُوشِك على نشرها . شعرتُ ببياضِ وجهي يعودُ وبالمُستقبل مُشرقاً فقط لأنني قررت تمزيق قصيدةٍ لا تستحقُّ حتّى ذِكرَ أنّها مُزِّقت .
مُنذ متى وأنا أُأنّب نفسي على ما أكتب ؟ منذ متى وأنا أشُدُّ حبلَ المشنقة على رقبتي ؟ مُنذ متى وأنا أحاول الظهور بمظهرِ الهادئة في الحين الذي تشتدُّ فيهِ أعاصيري؟ .
حسناً .. انتظري .. يجب أن تكوني سعيدةً الآن .
انتظري .. اسمعي .. اللحن يتغلغل بداخلكِ .. لم لا تعطيهِ فرصةً ليغيركِ؟ انتظري .. امنحيهِ هذه الفرصة فقط ثم العنيهِ إن لم ينجح .
نعم .. هكذا .. هزّي رأسّكِ بتوافقٍ مع اللحن . هزّيه ليتهز بؤسكِ ويفكّر ملياً في مُغادرتكِ .
نعم هكذا تُثبتين قوّتك أمام العالم الذي يوافقك في هذه اللحظة حتّى في أكثر قراراتكِ جنوناً .
تمايلي مع هذا اللحن .. يزداد حرارةً .. إشتعلي .. اقتربي منه ليمنحكِ عطفه ودفئه.
أكثر .. أكثر .. أحضِريه إليك .. إفتحي له أبوابكِ التي أُغلقت طويلاً .
راوديهِ عن نفسه .. اعطِهِ ما يشاء .. فقط ليمنحك تلك اللحظة التي ستعتادين عليها في كُلِّ مرّة يدخل فيها بيتكِ .. بإذنك الآن وبدون إذنك بعد لحظات .
كل هذهِ النشوة التي تشتعل .. يُسببها اللحن الذي قررتي أن تمنحيهِ قدَرَ سمعكِ .. ثم قام بواجبهِ كرجلٍ ينام مع زوجتهِ للمرّةِ الأولى .
توددي إليه .. أسدِلي شعركِ وحرّكيه بحريّةٍ تُذيبه .
إمنحيه تخويلاً أبدياً بالدخول لقلبكِ متى شاء .. لا متى شِئتِ .. لأنّه وحدهُ يعرفُ بريقَ عينيكِ حِين يتوقُ للمزيد .


يا أرض ابلعي العاطلين !


الهدف الأساسيّ من هذه التدوينة هو لأفهم تركيبتي العقليّة والمنطقيّة التي تسمح له بقطع تواصلي مع العالم فقط لأرغم نفسي على الكتابة .
أكثر ما يُثير رعبي هو حقيقة أنّي لا أملك أيّ رسالة تصلح لأنقلها للعالم ولأثبت بها عضويّتي في هذا الكون .. كنت أستنكر أن يعيش الإنسان في عالمٍ دون أن تُوجد رسالة مُحددة يُريد إيصالها للعالم .. إذ كيف قد يضع عينه بعين الكون ليقول أنّه يعيش عليه دون أن يدفع الإيجار ؟ كيف يُمكنه بكل بساطة أن يسرق حقيقة الكون ليقول أنّه مهم .. وأنّه صاحب قضيّة بينما لا يحمل من المسؤولية شيء ! أيّ عار سيرمقه من مرآته كُل صباح حين يُحاول تسريح شعره الذي لا يحق له تسريحه .. وأيّ يأس سيتمكّن منه حين يظنَّ أنّه وصل لكل شيء بينما لم يصل بعد إلى نفسه .. وأيّ حزن سيتمكّن منه حين يكون الجميع حوله دون أن يمنحوه الأُنس ؟ إنّها لعنة الكون على العاطلين الذي يعيشون عليه .. فهو لا يُحاول وحسب أن يقول لك أنّك ملعون ومطرود من رحمته .. بل يُوهمك بأنّك أسعد من عليهِ ثُم يصدمك في النهاية بإلقائك في رصيفِ شآرعٍ يجتمع عليه الشحّاذين ليناولوا منك فوق ما نالوا من وجودك..
وبصفتي مُهملة .. وعاطلة .. فلن يدفعني شيء للكتابة مثل الغضب .. وحده سيُجلسني على هذا الكرسي ويرغمني على كتابة أنَّ الحقيقة هي في عطالتي واللامعنى المُتربّص بي .
لا أكتب هذه التدوينة لأسخر من العاطلين -بإعتبار أنَّ المقصود بالعاطلين هُنا هم من لا يملكون رِسالة – بل لأواجه نفسي بحقيقتي المُرّة . إذ لطالما ظننت أنني أحملُ شيئاً عظيماً للعالم .. في حين أنّ جيوبي خالية ليس بإمكانها أن تُعطي شيء .
أكتب الآن بسرعة .. بسرعة شديدة إذ يكاد عِرق يدي يتفلّت مني لولا عِناية الغضب الذي يتملّكني الآن . يعتني بي فقط لأنتهي من واجبي اتجاهه ثُم يرميني كعظمٍ تتمكّن العطالة منه . ليتني أغضب كُلَّ يومٍ هكذا .. لأكتب أكثر .. ولأُثبت طرد الكون لي من رحمته .
لكن يستطيع العاطلون رغم طبيعتهم الصعبة .. أن يجتمعوا على رسالة واحدة ليدفعوا إيجارهم للكون بالجُملة .. وهي أن يُعلنوا أنفسهم كعاطلين ليُبيّنوا مدى صبر هذه الأرض عليهم .. وكيف أنّها لم تبتلعهم بعد .. وكيف أنّها –بِكُلِّ خبث- تُطعمهم وتكسوهم رغم ثقلهم عليها .

السبت، 3 مايو 2014

ثلاث قصص قصيرة لهوتُ بها


جلسَ بِجانبي وباعدَ بين رِجليهِ وبدأ حديثه بإرتباك : ربّما هذا ما كنتُ أنتظره .
ألتفتُّ سريعاً إليه على وشكِ الصّراخ لكنّه منعني بعبارةٍ حيّرتني "لم تكن يوماً القدم التي أشاء" .. وضعتُ يدي على قدمهِ المبتورة "حمداً لله أنّها لم تكن قلبك!" نهض يعرج على رجلٍ واحدة وأسرعت خلفه " كان يُمكن في ظرفٍ أسوء أن تفقدها في الحرب" ، ظلَّ مُسرعاً بخطواته الغير مُتّزنة وأضفتُ كذبابةٍ تزنُّ على أُذنيه " كنتَ معها حين قررتَ بترها بالمِنشار" إلتفتَ إليَّ رافعاً يدهِ وبحركةٍ سريعة أنزلها بمُقاومةٍ ناجِحة "لن تُخبري أحداً بأنّي بترتها بيديّ .. ستكونُ الحقيقة أنَّ حادثاً مأساويّا تسبّب بهذا" .. "كما تشاء" أنهيتُ الحديث مبتورَ العاطفةِ وأخذتُ رِدائي بِكامِل إستعدادي للرّحيل .
_

"هل يستحقُّ الضجيج حولكِ جميع محاولاتكِ لإسكاته ؟ " قالت لي وهي مُمسكةٌ بالعصى التي تؤدّبني بها كل يوم . "فقط أنزِليها .. أرجوكِ" قلتها وأنا أجثو على قدمي ، "أُنزلها أين؟" وبحركةٍ سريعة هوَت بها على ظهري العاري .. وأضافت "هُنا" . إكتفت بتلك الحركة التأديبية التي أحرقت جلدي حتّى ما عدتُ أشعرُ بهِ .. اقتربتُ من الجِدار الذي أُعلّق عليهِ مناديلاً وضعتُ بداخلها ثلجاً وأغلقتها بطريقةٍ مُحكمة .. وحككت بظهري العاري الذي لا يحملُ سِوى قطعتين من الجِلد على وجه التقريب .. قدّرتهما جداً للحدّ الذي جعلني أتحمّل ألمَ الإعتناء بهما، جِداري كانَ ساذجاً جداً لأنّه اكتفى بتبريدهما عوضاً عن إزالتهما .
حين بردتا وما عدتُ أشعرُ بِهما .. عدتُ إلى سريري الخشبيّ الذي بدا آمناً جداً رغم أنّه لا يحوي سوى خشبتين .. واستلقيتُ عليهِ مُتحمّلا وزني .. ونِمتُ كما لن أستيقظَ أبداً ..
في اليوم التالي .. دخلت مؤدّبتي لتجمع ما تبقّى منّى لترميه في القدر الذي يغلي في مطبخها .. هكذا أخبرتني فتاةُ أخرى قُتلت بعدي في دار الأيتام ذاك .
_

اقتربتُ من وردةٍ لأقطفها وآخذها لصديقٍ قديم .. لكنها تبتعد كلّما رأت يدي ممتدةً إليها .. "تعالي" قلتها وأنا أحني برأسي تعاطفاً مع رغبتها الصادقة لكيلا تُقطف .. اقتربتُ أكثر وطعنتني بحركةٍ سريعة نسيتُ تفاديها .. "ارحلي..ستُقتلين" .. رفعتُ كِلتا يدايَ الداميتان مُستسلمةٌ ورجعتُ خطوة للوراء .. "لا تهلعي..سآخذ غيركِ"، رأيتُ أُخرى صفراءَ نائمةً.. وما أن اقتربتُ حتّى تلاشَت .. "هُنا ينتهي صبري" ،أمسكتُ بالمقصّ وهرعت لحقلِ الورود ذاك لأفسدهُ بغضبٍ مجنون .. واحدة تلو الأخرى لوّحتُ بالمقصِّ على أعوادها .. لم تتح لي تأمّلها وهي تهوي على الأرضِ فهي تتلاشى كُلما اقتربت .. لم تمضي بضع ثوانٍ قبل أن يختفي الحقل كلّه دون أن أُمسكَ بواحدةٍ منه ..
"ربّما لأنّها تعلم حجم الألم والتلاشي الذي تُسببه محاولة إعادةِ علاقةٍ فاشِلة .. بكلِّ محاولاتِ إعادتها فاشِلة" قلتُ مُبتعدةً عن حقلٍ لم يكن سِوى في ذاكرتي .

الأربعاء، 16 أبريل 2014

تدوينة كُتبت قبل أربع سنوات .

حصلت على ورقة قديمة في ملفّي القديم ووجدت فيها هذه التدوينة التي كتبتها في الصف الحادي عشر وطبعتها قبل قليل، واجهت صعوبة في قراءة خطّي لكن أدهشني أنني لم أتغيّر قط .. ذات الأسلوب وذات الشغف بالكتابة ..
" مرة أخرى متعبة .. كالعادة أشتكي لورقي بقلمي ولا أجد من يسعفني، ويشتدّ ألمي ويشتد معه خوفي، حاولت النوم .. لكن بلا جدوى، رغم أنني أكاد أسقط تعباً لكن النوم ليس الحل، وحقيقةً .. لا أدري ما هو الحل! أختي تنظر إليّ وتخبرني أن أنام ، أقول لا أشعر بالنعاس، تجحظ بعينيها وتقول كل هذا التعب بعده ما فيك رقاد؟ وكالعادة .. لا أردّ ،لا أردّ إلا حين أتشجّع للرد، أتجوّل في الغرفة وأُلقي إقتراحاتٍ على نفسي لأُعيد إليها سعادتها، ومع كل التعب الذي يغزو جسمي فإنني لن أتوانا لحظةً عن اللجوء للكتابة، الكتابة تُعيد إليّ روحي من عالم النسيان، وأمسك بقلمي ، و دفتري، وأضع رأس قلمي على أوّل السطر .. ولا أُحرّكه من تلك النقطة لدقائق، من دون وجهةٍ معروفة، ولا حتّى غايةٌ مُلحّة بِوجداني، فأفكّر مع قلمي، عن ماذا سأكتب؟ سؤال وجِيه .. لكن لا أُنكر أنّه أصعب سؤال أواجهه كل ليلة، فالأمور الجمّة التي أُصادفها في يومي، والمشاكل التي تُعيقني كل يوم، تجعلني في حيرةٍ بالغة في ما يقع عليه إختياري في واحدةٍ منها، كلّها مملة وكلّها طويلة.. وكلّها لا تحتمل تأجيل توثيقها، غالباً ما أتوقّف عن الكتابة من أول سطر إن كانت غايتي مجهولة، لكن حينما أُمسك بقلمي بقوّة، وأبحث عن أقرب دفترٍ مهما يكن لأكتب فيه، وتتزايد حماستي لموضوعٍ يهمّني .. فإنّي لا أضع القلم حتّى آخر سطرٍ أقولُ فيه آخر كلمةٍ أودّ قولها لنفسي وللآخرين، وأعبّر بصدقٍ عن ما أود التعبير عنه، وفي النهاية يصدمني عدد صفحات كتابي حيث لم أشعر بشيء في لحظةِ الفوران تلك، أستطيع أن أكذب أمام أو خلف الناس لكن نفسي هي الوحيدة القادرة على جعلي متسمّرةً هناك .. على أرض الواقع، علمّتني أن أواجه الواقع مهما تكن مرارته .. وألّا أتصيّد أخطائي فأقع في شباكها، وفي هذا السطر .. كما ترون أعزّائي القرّاء .. لم أتوصّل لأمرٍ مهم يدفعني بشدّة للكتابة، وإنما أكتب فقط لأنام وأُرضي ضميري .. بأنّي ما زلتُ قادرةً على سكب حبري على أكتاف أوراقي، وهي أعظم هبةٍ قد تُمنح على الإطلاق لبسيطةٍ مثلي !
مع التوقيع ()
فبراير/2011 " .

الجمعة، 14 مارس 2014

سَكرة عآجِلة




أحياناً أتمنى لو كانت المواد المُخدّرة تُباع في الصيدليات عوضاً عن إحتكارها في المستشفيات .. أو عوضاً عن ذلك أن يخترع المتديّنون خمراً حلالاً يمكننا شربه دوّن تحرّش الأنظار بنا .. وأتمنى أكثر من ذلك أن تُوزع تلك المواد على كلِّ منزلٍ بالمجان حتّى يتسنّى للمفلسين مثلي تجربتها .. أو أن يُسمح لنا بأخذها من المشفى دون تحقيق !
في ماذا يُفيدني إنتظاري الآن ؟ لا شيء .. أنا فقط أتطلّع لرؤيّة أشعّة الغد وهي تتسلّق الجبال لتظهر لنا بكامل بهاءها .. وأن أرى صديقتي تبتسم لي بتلك الإنحناءة الشفويّة التي أحبّها .. أو أن تنظر لي العاملة بغضب حين أمرر قدمي المُتسخّة في زاويةٍ نظّفتها لتوّ .
وأكثر من ذلك أتوق لِتعديل كتابتي لمقالِ الغد ومسح إخطاءه بالممحاة التي أستهلكها الزمن .. أو أن أكتب بالقلم الورديّ الذي أحضره لي أخي من أرضٍ بعيدة و الذي يُذكّرني بشفاء التي لم أرها منذ سنينٍ طويلة .. أتطلّع أن يسقط رأسي ناعساً على غفلةٍ منّي أثناء الشرح ثم أفتح عيني لأرى أستاذتي تُقطّب جفنها ثم تبتسم لي بفعويّة وشفقة !
هذه التفاصيل اليوميّة المُتناهية الصِغر هي ما يجلب لي سعادتي اليومية التي تؤمّن لي سعادةً سنويّة تتطور إلى أبديّة ..

الأحد، 16 فبراير 2014

مرآة الواقع المكسورة


إذا أنار الإنسان مخيلته على ما يمكن أن يحدث حين يشارك الجمال مع الكائنات حوله فإنه سيُحول ذلك الخيال لواقع فوراً لشدة روعته ومنفعته، العقل الإنساني قادرٌ على تخطّي الواقع و مراوغتهِ حتى يتخطّاه إلى عوالمَ أخرى .. عوالمَ تجلبُ لواقعنا الحُبَّ والسلام والجمال .. الخيالُ يا أصدقائي لم يُصمم لإراحةِ نفوسنا وتحفيزها وجعلها واهمة وحسب، بل مُكِّنت منهُ عقولنا لنجعل العالم حولنا أجمل حين يحيط به القبح الذي يتعمّد كثيرٌ منّا نشره .. كل تلك الصور التي نتخيلها حين نحاول الهرب من الواقع .. كأن نرقى إلى السحبِ بسجادٍ أحمر يجلس فيه معنا أحد أحبّتنا لنغادر الوطن الذي غرَّ بنا أهله .. أو أن نُصبح أغنياء لنشتري بأموالنا ما نهوى .. أو حتّى العودة إلى الوراء لحادثةٍ قديمة أسرنا جمالها .. كل تلك الصور وأخرى مما تتخيلونها حين لا يسير واقعكم كما تشاؤون .. هي إنعكاس آخر لواقعكم نفسه لكن بجهته الأجمل .. جهة المرآة الغير مكسورة .. فإذا قمت بتجميع الزجاج لإصلاح مرآة واقعك المُتشظّية، فإنك ستحصل على واقعٍ يُنافس خيالك في جمالهِ .. حيث يكون ثمّةَ متسع لأجمل من البساط الأحمر أو المال أو حتى الماضي الجميل .. مُتسعٌ لأعظم أحلامك التي لم تتخيلها بعد . لا أعلم كيف يعمل العقل حين يزرع في مخيلتنا تلك الصور التي نلجأ إليها حين تهب العواصف، لكن مهما تكون كيفية عملها فإنها إحدى أهم الهِبات التي ستبني لنا واقعاً أجمل .. فقط إن استغللناها كما نشاء "نحن" وليس كما تفرضه علينا الظروف .. فبعض الظروف -القاسية- تُحتّم علينا أن نُلطخ خيالنا بالسواد، وهنا تأتي مهمّتنا الأنبل .. أن نتخطّى إلحاح الظروف ذاك إلى عوالم لطالما تمنّيناها . هذا يُذكرني بفكرةِ المستحيل الساقطةِ على الواقع .. على كلٍّ مِنّا أن يعلم أنَّ المستحيل ضربٌ من الخيال اللفظي الذي يتغنّى بهِ ناشري اليأس ، لأنه طالما أنّك تتنفس في هذا الكون .. لن يستطيع شيءٌ إيقافك مهما بلغت قوته أو وعورة طريقك . وهذهِ الفكرةُ بدورها تذكرني بماضيي الجميل .. فقد واضبتُ منذ صِغري على بناءِ عوالمَ أخرى خاصةً بي .. أكونُ فيها من أشاء وأحيي فيها ما أشاء وأتحكم فيها بما أشاء .. كبرت تلك الخيالات لديّ حتّى أحيَت لي في واقعي أشخاصاً بدَوا حقيقيين جداً يملؤون قلبي بالأُنس والحب .. عشقت إحدى تلك الشخصيات عشقاً حتّى بتُّ أسمع صوتها من كل مكانٍ حولي .. في زوايا الجدران وخلف أذني وأثناء مذاكرتي .. شعرتُ بي أرقى عن خيالي ذاته لأنّي لم أتخيل قط أنَّ بإمكاني الإستماع إلى شخصيةٍ سكَنت مخيلتي فقط .. وزاد أُنسي بها حتى بات قلبي سعيداً جداً .. و انعكس ذلك بدوره على واقعي حيث تحسّنت علاقاتي مع الكثيرين .. وساءت مع الكثيرين كذلك، لأنّي تركتُ المجالَ للظروف لتتحكم بي فسوّدتُ تلكَ الشخصيات في كل ظرفٍ حالكٍ مرَّ بي .. وحتماً لم تملك أن تواسيني فقد كنتُ المُتحكمة بها وكانت تعيش في مملكتي .. كان عليَّ أن أتخلص من غروري و أترك لها المجال لتُشاركني حُكمي وتتكئ معي على عرشي .. لنحكمُ بالعدل العوالم الكثيرة حولنا .